﴿من نبي﴾ جاء قومه بالبينات فيما مضى فناصره ﴿قاتل معه﴾ في سبيل تأييد دعوته ﴿ربيون﴾ بكسر الراء الجماعة الكثيرة واحدها ربي والمراد بهم الذين ينتسبون إلى الرب ممن آمنوا بالله واقتنعوا بربوبيته فأطاعوه وهم ﴿كثير﴾ في عصور متعددة ﴿فما وهنوا﴾ لم تخر عزائمهم ولم يحجموا عن المضي فيما جاهدوا من أجله ﴿لما أصابهم﴾ من موت الأنبياء والقادة ﴿في سبيل﴾ تأييد دين ﴿الله﴾ الذي جاءهم به أولئك الأنبياء لا في سبيل أشخاص أنبيائهم، ﴿وما ضعفوا﴾ أي لم يجزعوا ولم يداخل نفوسهم خوف الموت أو الهزيمة ﴿وما استكانوا﴾ أي ما تخاذلوا أمام أعدائهم ليتحكموا في أمرهم بل عملوا لإملاء إرادتهم والاحتفاظ بسلطانهم معتمدين على الله وحده في تأييدهم وتحقيق أمانيهم ﴿والله﴾ من سننه تعالى في خلقه أنه ﴿يحب﴾ من عباده ﴿الصابرين﴾ على المصائب الثابتين في العقائد الواثقين بالله ﴿وما كان قولهم﴾ أي أولئك الربانيون الذين قاتلوا مع الأنبياء ﴿إلا أن قالوا﴾ دعوا الله في ساعة المعمعة ساعة مشاهدة الموت في ساحة القتال الرهيب بأدعية ثلاثة: الأولى ﴿ربنا اغفر لنا﴾ بجهادنا في سبيلك ﴿ذنوبنا﴾ التي اقترفناها في الحياة ﴿وإسرافنا في أمرنا﴾ بتجاوز الحد في كل ما أمرتنا به فهذا هو المقصد الأول من جهادنا، ورضاك عنا هو أقصى أمانينا ﴿و﴾ الدعوة الثانية قولهم: ﴿ثبت أقدامنا﴾ على الصراط المستقيم الذي هديتنا إليه فلا تزلزلنا الفتن ولا يعرونا الفشل ﴿و﴾ الدعوة الثالثة ﴿انصرنا على القوم الكافرين﴾ فهذا آخر ما نرجوه فما بنا من شوق إلى النصر بقدر ما بنا من رغبة في الغفران والثبات على الهداية ﴿فآتاهم الله﴾ فأعطاهم جزاء على ذلك ﴿ثواب الدنيا﴾ بالنصر على الأعداء والسيادة في الأرض وما يتبعها من العزة والكرامة وذلك آخر ما طلبوا ﴿و﴾ ما يكون منه ﴿حسن ثواب الآخرة﴾ من الغفران والثبات على الهداية وصالح الأعمال ﴿والله﴾ من إحسانه ﴿يحب المحسنين﴾ أعمالاً وأقوالاً فيتقبل أعمالهم ويستجيب دعواتهم.
بعد أن حض الله عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وأوضح لهم سننه التي من شأنها أن تنتزع من قلوبهم خوف الموت لئلا يتوانوا في أمره، وسرد لهم بعض القواعد المقررة التي اقتضتها حكمته والتي أضحت من سننه التي لا تتبدل وضرب لهم على ذلك الأمثلة بمن كان قبلهم من الأمم أخذ سبحانه وتعالى يحذرهم من الاستسلام للكفار والرضوخ لإرادتهم، فقال: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ بالله رب العالمين المسيطر على كافة الموجودات حذار أن تكونوا محكومين لمن كان على غير دينكم ولا تنخدعوا بما يلقونه إليكم من منطق قد يتراءى لكم سلامته فتتبعونهم فإنكم {إن