كما أنه -جل وعلا- لا يُشبه أحدا من خلقه، بل هو -جل وعلا- المتفرد بصفات الكمال، ونعوت الجلال والأسماء البالغة غاية الحسن والجمال.
ثم قال -جل وعلا-: اللَّهُ الصَّمَدُ يعني: أنه -جل وعلا- السيد الذي قد كمُل سؤدده، وأنه الصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتهم؛ لأن شريف القوم وسيدهم يلجأ إليه أهل قبيلته وأهل عشيرته في حوائجهم، والله -جل وعلا- هو الذي له السؤدد الكامل على خلقه.
فلذلك الخلق أجمعون يصمدون إليه -جل وعلا- لحوائجهم، وكذلك -جل وعلا- لما كان الخلق يصمدون إليه ويلجئون إليه، وهو المتفرد بكمال السؤدد، كان -جل وعلا- هو الباقي؛ فخلقه يهلكون، وهو -جل وعلا- يبقى.
وهذا ما يدور عليه معنى الصمد في تفاسير العلماء، وكلها حق، ثابتة لله -جل وعلا-، ويزيد بعضهم بأن الصمد هو الذي لا جوف له، بمعنى أنه لا يحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وهذا -أيضا- حق؛ كما قال الله -جل وعلا-: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ .
فالله -جل وعلا- لكونه متفردا بصفات الكمال كان له السؤدد المطلق، وكانت الخلائق تلجأ إليه، وكان -جل وعلا- لا يحتاج إلى خلقه، بل الخلق هم المحتاجون إليه، والطعام والشراب من خلق الله، فلذلك لا يحتاج ربنا -جل وعلا- إلى طعام ولا إلى شراب.
ثم قال -جل وعلا-: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ أي: أن الله -جل وعلا- لم يلد أحدا؛ لأنه -جل وعلا- ليست له صاحبة، كما قال -جل وعلا-: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
وفي هذه الآية رد على المشركين، وعلى اليهود والنصارى الذين زعموا أن لله ولدا؛ كما قال الله -جل وعلا- إخبارا عن اليهود والنصارى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ .