وعلى هذا يكون المعنى أو تكون اللام في قوله "لإيلاف" هذه للتعجب أي: اعجبوا لإلفة قريش رحلة الشتاء والصيف، أي: اعجبوا لقريش؛ لأنهم ألفوا رحلة الشتاء والصيف، فكانوا مُدَاومين عليها، إذا جاء الصيف رحلوا إلى الشام، وإذا جاء الشتاء رحلوا إلى اليمن؛ لأن الشام تكون في الصيف باردة، واليمن تكون في الشتاء أدفأ من الشام؛ فلذا كانت لهم رحلتان: رحلة الشتاء إلى بلاد اليمن، ورحلة الصيف إلى بلاد الشام.
ثم قال الله -جل وعلا-: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ يعني: فليعبدوا رب البيت الحرام، الذي جمعهم الله -جل وعلا- حوله، فكانوا أهلا لهذا البيت، اجتمعوا حوله وتآلفوا، وكان لهم حظ عند العرب لا يُمَسُّونَ بسوء؛ لأنهم يعتبرونهم أهل هذا البيت.
قال الله -جل وعلا-: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أي: فليعبدوا ربهم، رب هذا البيت الذي من وصفه -جل وعلا- أنه أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ فقد كانوا في مكة تأتيهم الأرزاق من كل الجهات؛ لأن مكة كانت مقصودة بالحج، تحج إليها العرب، وكانت لهم فيها مواسم، فكانت قريش ينتفعون بما يَقْدُم به أولئك، ينتفعون بما يقدمون به، كما أن قريشا تنتفع بما عندها، أو تنتفع ببيع ما عندها إلى أولئك.
ومن ذلك أنهم كانوا يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان، وكانوا يعيشون في أمن؛ لأنهم كما تزعم العرب أهل الله، فلا يمسون بسوء؛ ولهذا امتن الله -جل وعلا- عليهم بذلك، فقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وقال جل وعلا: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا .