فقوله جل وعلا في الآية: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي حاله شاهدة على كفره لربه -جل وعلا- وجمهور العلماء يرون أن الضمير عائد إلى الله -جل وعلا- وأن الله -جل وعلا- هو الذي شهيد على كفر هذا الإنسان لنعمة الله -جل وعلا- وحينئذ لا يبقى إشكال بين هذه الآية وآيتي الأعراف والكهف.
ثم قال جل وعلا: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أي: أن هذا الإنسان الذي كفر نعمة الله -عز وجل- هو حريص على المال يحبه ويجمعه، وهذا كما قال جل وعلا: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا فهو يجمع هذا المال ويحرص عليه ويحبه حبًا شديدًا.
وهذا كما قال الله -جل وعلا-: كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا .
ثم قال جل وعلا: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ يعني: أفلا يعلم هذا الكافر أن أهل القبور يبعثون، وأن ما في الصدور يُجْمَع ويُبْرَز، ويظهر للعيان.
قد جمع الله -جل وعلا- في هذه الآية بين القبور والصدور؛ لأن القبر يواري الجسد، والصدر يخفي في باطنه أعمالًا، لا تنكشف في الدنيا؛ فلهذا إذا كان يوم القيامة أظهر الله -جل وعلا- الأجساد من القبور، وأظهر ما تُكِنُّهُ الصدور، فكان الجميع بارزًا ظاهرًا بين يدي الله جل وعلا.
وخص الله -جل وعلا- الصدور هنا بالذكر؛ لأن الصدر فيه القلب، والقلب هو المحرك لهذه الجوارح، فإن لم يلتفت القلب إلا إلى الله -جل وعلا- كانت الجوارح مسخرة في طاعة الله، وإن انحرف القلب انحرفت الجوارح، فبحسب انحراف القلب تنحرف الجوارح، ولهذا ذكره الله -جل وعلا- في هذه الآية.