وقوله: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا أي أنها تتوسط جموع العدو، ففي الأول ذكر الله -جل وعلا- ذلك بالاسم، ثم ذكره بعد ذلك بالفعل، قوله: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا والأول كانت أسماء، وقال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- ذكر هاهنا الفعل فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا لأن ما تقدم وسيلة إلى هذه، فالأول وسائل الذي هو العدو والإغارة، هذه كلها وسيلة إلى أن تتوسط هذه الخيل وسط العدو، وتثير النقع، وهو التراب في وجوه الأعداء.
وهذا قسم من الله -جل وعلا- أقسم به جل وعلا على أن الإنسان لربه لكنود ولذلك قال بعد ذلك: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ أي: إن الإنسان لربه لكفور جاحد، والمراد بذلك أن الإنسان يكفر نعمة الله -جل وعلا- عليه.
ثم قال جل وعلا: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي: الإنسان على هذا الكنود شهيد. وهذا عند بعض أهل العلم أن الضمير عائد إلى الإنسان لأن الضمير قبله والضمير بعده يرجع إليه، وإذا قلنا: إنه عائد للإنسان، فقد يقول قائل: يشكل على هذا قول الله -جل وعلا-: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وقول الله -جل وعلا-: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا .
فهنا ذكر الله -جل وعلا- أن الإنسان الكافر وهو يفعل هذه الأفعال يحسب ويعتقد أنه مهتد، وفي هذه الآية يقول الله -جل وعلا-: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي: شاهد على كفره لنعمة الله جل وعلا.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن قوله جل وعلا: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي: هو وإن لم يشهد بلسانه ويقل بلسانه: إني كفور لنعمة الله، فأفعاله وحاله شاهدة على ذلك، وإن لم ينطق بذلك.