ثم قال جل وعلا: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أي: إن الإنسان ليطغى، والطغيان هو مجاوزة الحد: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى يعني: إذا حصل له غنى، فإنه يطغى ويتجاوز ما حُدَّ له، وهذا في طبع الإنسان ؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ .
وقال جل وعلا: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ وقال جل وعلا عن فرعون: قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني: موسى عليه السلام وَلَا يَكَادُ يُبِينُ .
يعني: لا يستطيع الإبانة في الكلام؛ لأن موسى كان ألثغ، كما ذكر الله -جل وعلا- نطقه: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وقبل ذلك: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي فكان موسى في لسانه عقدة؛ ولهذا قال فرعون: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني: ذليل وَلَا يَكَادُ يُبِينُ يعني: لا يكاد يفصح بالكلام، وهذا طغيان من فرعون.
وقارون قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي وهذا كله يدل على أن الإنسان إذا أُعطِي، وأُكثِر له العطاء طغى، ولكن يستثنى من ذلك المؤمنون؛ لأن المؤمن إذا أعطي شكر كما قال الله -جل وعلا- عن نبيه سليمان: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ .