فدل قوله -جل وعلا-: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ على أن المخاطب بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمعنى في هذه الآية أي: فمن يكذبك بعد بيوم الجزاء والحساب، فهنا "ما" بمعنى "مَن"، والله -جل وعلا- عبر بـ "ما" هاهنا؛ لأنه أراد الأوصاف، ولم يرد الأعيان، وإلا الأصل في التعبير للعاقل أن يكون بـ "مَن"، لكن إذا أريد الوصف فإنه يعبر بـ "ما".
والله -جل وعلا- لم يرد أشخاصا بعينهم -أو بأعينهم-، وإنما أراد المتلبسين، وهم الظلمة والجهلة، أي: فمن يكذبك بعد هذا البيان والإيضاح من خلق الإنسان الذي يُستدل به على ربوبية الله وألوهيته، وعلى قدرته -جل وعلا- على البعث؟ ومن يكذبك بعد ذلك بعدما سمع من مصير المؤمنين ومصير الكافرين؟
وهذا الاستفهام إما أن يكون للتعجب، كما في قوله -جل وعلا-: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أو يكون هذا الاستفهام يراد به تحقيرهم، وبيان أنهم ليسوا على شيء، كما يقول الإنسان أحيانا: من قال هذا؟ لا يريد الاستفهام، وإنما يريد تحقير القائل، يريد أن يحقر القائل، فهذا فيه إما تعجب، وإما تحقير لقائليه.
ثم قال -جل وعلا-: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ يعني أنه -جل وعلا- أعدل من يحكم ومن يقضي، فلا أحد أعدل من الله -جل وعلا-، والدليل على ذلك أن الله -جل وعلا- قسم الناس يوم القيامة إلى فريقين بأعمالهم، فما أدخل طائعا النار، ولا أدخل عاصيا الجنة، يعني ما أدخل المؤمن النار، وما أدخل الكافر الجنة، ولكنه -جل وعلا- يقضي بينهم بحكمه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحسب أعمالهم.
بل فضله -جل وعلا- واسع، فهو -جل وعلا- قد يغفر لمن آمن به ومات عاصيا لأول وهلة، وقد يعذبه بسيئاته ثم يخرجه، وهذا من عدله -جل وعلا-، فعدله -جل وعلا- شامل لنوع العذاب، وشامل لسبب العذاب، أما الحاكم من الخلق فقد يعذِّب عذابا أكبر من الإجرام.