وجعل الله -جل وعلا- الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وأوجب على العباد حجه واعتماره في العمر مرة واحدة، فما زاد فهو تطوع، وحرم الله جل وعلا -لِأَمنه- أن يدخله الدجال في آخر الزمان، فالدجال يطوف الدنيا إلا الكعبة والمدينة، فإنه لا يدخلهما، على أنقابهما -وهي المداخل- ملائكة، كلما أراد الدخول ضربوه، معهم السيوف المصلتة.
ولهذا أيضا في آخر الزمان إذا خرج جيش يريد البيت، فإن الله -جل وعلا- يخسف بهذا الجيش إذا كانوا ببيداء من الأرض، وذلك لحرمة هذا البيت وعظمته.
وكذلك من خصائص هذا البيت: أن الإنسان لا يريد فيه سيئة إلا عاقبه الله عليها، في غيره من البلاد إذا هم بسيئة فلم يفعلها كتبها الله -جل وعلا- حسنة، وأما في البيت الحرام إذا هم بسيئة وأرادها، فإن الله -جل وعلا- يعاقبه، كما قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .
ولهذا كان شأن المعاصي فيه عظيما، فإذا كان الإنسان يستمع الغناء خارج الحرم، والمراد بالحرم ليس الكعبة، وليس المحاط بالجدران الآن، وإنما المراد به الحرم كله، المعلم عليه بالنُّصب، وهو كبير، يدخل فيه منى ومزدلفة وغيرها، فحدوده كبيرة، فهذا من أوقع فيه سيئة، من هَمَّ فيه بسيئة عاقبه الله، فكيف بمن أوقع فيه سيئة؟ فالجرم يعظم إذا عظم الزمان أو عظم المكان، ولهذا لما عظم البيت الحرام عظم جرم هذه السيئة.
ولهذا يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لو أن رجلا بِعَدَن أبين هم بسيئة لعاجله الله بالعقوبة". هَمَّ بسيئة في البيت لعاجله، أو لأراد بالبيت سوءا لأخذه الله، ولهذا كان عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- له فسطاطان -أي خيمتان- إحداهما داخل الحرم، والأخرى خارج الحرم، إذا أراد أن يصلي دخل الحرم، وإذا قضى صلاته خرج خارج الحرم -وعبد الله بن عمرو أفقه منا وأعلم منا- لئلا يقع منه شيء فيعاقبه الله -جل وعلا-.