فهذه من إرث إبراهيم -عليه السلام- ورثها قومه، فلم يغيروها، فكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يفعلها لأنها من دين الخليل -عليه السلام-، ولم يكن يفعلها لأنها من دين قومه، بل لم يكن على دين قومه، كما زعمه بعضهم من أنه -صلى الله عليه وسلم- كان على دين قومه أربعين عاما، وهذا غلط، ولا ينبغي أن يقال، بل هو -صلى الله عليه وسلم- قد وافق قومه فيما بقوا عليه من ميراث إبراهيم -عليه السلام-.
يبين هذه الآية -وهي أن المراد بهذا، أن المراد بهذا أنه لم يكن يعلم الكتاب ولا الإيمان- قول الله -جل وعلا-: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ .
وقال -جل وعلا-: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا .
وقال -جل وعلا-: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا وقال -جل وعلا-: وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ .
فدلت هذه الآيات على أن قوله -جل وعلا-: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى يعني أنه -صلى الله عليه وسلم- كان غافلا عن الكتاب، وعن شرائع الإيمان، وأما الفطرة التي فطره الله -جل وعلا- عليها، وتوحيده -سبحانه وتعالى-، فهذا معلوم من حاله -صلى الله عليه وسلم-، وسيأتي إن شاء الله.
ثم قال -جل وعلا-: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى أي: ووجدك فقيرا فأغناك الله -جل وعلا-، وهذا الغنى ليس المراد به -قطعا- أن يكون الغنى بالمال والعرض، وإنما المراد به أن الله -جل وعلا- جعل قلبه غنيا بما آتاه الله -جل وعلا- من الإيمان، والرضا بقضاء الله وقدره، وما امتلأ به قلبه -صلى الله عليه وسلم- من العلم والحكمة.