ثم قال -جل وعلا-: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وهذا وعد من الله -جل وعلا- مؤكد بأنه سيعطي نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما يرضيه في الدنيا وفي الآخرة، ولقد أعطاه ربه -جل وعلا- في الدنيا ما أقر به عينه، وكتب الخصائص والشمائل شاهدة بهذا، وسيعطيه الله -جل وعلا- في الآخرة ما يرضيه.
وقد تقدم لنا أن الله -جل وعلا- إذا أعطى العبد في الآخرة شيئا يرضيه، فذلك دليل على أن الله -جل وعلا- قد رضي عن هذا العبد؛ لأن الله -جل وعلا- لا يُرضي إلا من رضي عنه، ولا يكرم إلا من أطاعه، وأما من عصاه فإن الله -جل وعلا- لا يكرمه، بل يهينه وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .
ثم قال -جل وعلا- مبينا منَّته على نبيه -صلى الله عليه وسلم-: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى يعني أن الله -جل وعلا- وجد نبيه -صلى الله عليه وسلم- يتيما لا أب له، بل ولا أم له، فآواه الله -جل وعلا- بما يسره -جل وعلا- له ممن يؤويه، فكان في حضانة جده، ثم في حضانة عمه.
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى أي أن الله -جل وعلا- وجد نبيه -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم هذا الكتاب، ولا يدري شرائع الإيمان ولا يعلمها، فهداه الله -جل وعلا- بأن أنزل عليه هذا القرآن العظيم، وعلمه شرائع الإيمان.
وليس المراد بهذه الآية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ضالا على دين قومه، فهذا كلام كما قال الإمام أحمد: "كلام سوء"، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن على دين قومه، وما عمل من الأعمال التي كان يعملها قومه فإنما هي من إرث إبراهيم الذي لم يغيره قومه، كدية النفس مائة من الإبل، أو الختان، أو بعض مسائل الزواج، أو الحج.