أقسم الله -جل وعلا- بهذين الوقتين على أنه -جل وعلا- ما فارق نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما أبغضه؛ وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقم ليلتين لأنه كان يشتكي، فجاءته امرأة من المشركين فقالت له: ما أظن شيطانك إلا قد فارقك تعني به جبريل -عليه السلام-، أو تعني به هذا الشيطان الذي تزعم، تعني به ما كان منه -صلى الله عليه وسلم- حين يقوم الليل، فتظن أن هناك شيطانا يقارنه من أجل هذه العبادة؛ فأنزل الله -جل وعلا- هذه الآيات.
فقوله -جل وعلا-: مَا وَدَّعَكَ معناه: ما فارقك، وقوله -جل وعلا-: وَمَا قَلَى يعني: ما أبغضك وما كرهك؛ لأن القِلى والقَلاء: هو البغض الشديد، كما قال الله -جل وعلا- على لسان نبيه لوط عليه السلام: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ يعني أنه -عليه السلام- يخبر قومه أنه يبغض ما هم عليه من فاحشة اللواط بغضا شديدا.
ثم قال -جل وعلا-: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى أي أن الآخرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- خير له من الأولى، وهذا في حق المتقين أجمعين، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أتقى الناس، وأبرهم، وأخشاهم لله، وأعلمهم؛ فله الحظ الأوفر يوم القيامة.
ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، فعجب له الصحابة؛ كيف يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عبد خير فيبكي، قال أبو سعيد: فكان المخير هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان أبو بكر أعلمنا .
فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- موقن يقينا جازما أن ما عند الله تعالى خير له اختار ما عند الله -جل وعلا-؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ وقال -جل وعلا-: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ .