فهناك أقوام يعذبون بالنار، ويخرجون بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبشفاعة الشافعين، ثم بعد ذلك يخرجون بفضل الله ورحمته، فلو قلنا إن النار لا يدخلها إلا الكافر لكان في ذلك إبطال لآيات الكتاب وأحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولكن كما تقدم معنا أن قوله -جل وعلا-: لَا يَصْلَاهَا أن الصلي إنما هو خاص بالكفار، وأما المؤمن فتصيبه هذه النار ثم يموت، ثم يلقى في نهر الحياة، ثم يدخل الجنة بعد ذلك بفضل الله ورحمته.
ولهذا وصف الله -جل وعلا- هذا الأشقى قال: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثم قال -جل وعلا-: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أي سيجنب هذه النار الأتقى، وهو الذي اتقى الله -جل وعلا-، ثم بين الله -جل وعلا- صفته وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى أي ينفق ماله لأجل أن يتزكى ويتطهر، ويقوى إيمانه ويزداد، لا يفعل ذلك محبة في الشهرة، ولا طلبا لما عند البشر، ولا رياء ولا سمعة، إنما يفعل ذلك من أجل التزكي، وهذا فيه إثبات كسب العبد.
ثم قال: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى أي أنه وهو ينفق هذا المال لا يريد من هذا المال، أو ليس لأحد من الخلق عليه نعمة قد أسداها إليه، فيريد بإنفاقه هذا أن يكافئه على هذه النعمة، ولكنه يفعل ذلك ابتغاء وجه الله -جل وعلا- كما قال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا .