تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما دلت هذه الآيات على أن العبد إذا عمل صالحا وفقه الله -جل وعلا- وزاده من الصالحات؛ لأن العبد هنا لما عمل صالحا وفق إلى الصالحات الأخرى، وهي المدلول عليها بقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وهذه كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ .

ثم قال -جلا وعلا-: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى يعني أن من بخل بماله فلم ينفقه في سبيل الله، واستغنى عن طاعة الله بحيث انصرف عنها، واستغنى عما وعد الله -جل وعلا- به، واستغنى عن الأجر العظيم، ووقع في المحارم، وكذب بالحسنى -وهي كلمة التوحيد أو الجنة- أو بوعد الله بالإخلاف، فهذا يكون مرده إلى أن يُيسر للعسرى، فتُلهم نفسه فجورها، ثم يكون في الآخرة من أهل النار.

فهذا عمل من العبد، وهو البخل والاستغناء والتكذيب، ورتب الله -جل وعلا- عليه شيئا آخر وهو التيسير للعسرى، فدل ذلك أن للعبد كسبا، ولكن الله -جل وعلا- هو الذي يوفق أو يخدم، فهذا لما عمل السيئات خذله الله -جل وعلا- فلم يلهمه الله -جل وعلا- إلا الفجور، فيكون مردُّه في الآخرة إلى النار.

ثم قال -جل وعلا-: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى يعني أن هذا العبد الذي بخل واستغنى إذا تردى وهلك، وهلاكه يكون إلى النار، فالله -جل وعلا- عبر هنا بالتردي؛ لأن التردي يكون من أسفل إلى أعلى، وهؤلاء يُقذفون في النار لأنهم -كما أخبر الله- يؤخذون بالنواصي والأقدام، ثم بعد ذلك يلقون في نار جهنم.

فهو إذا تردى وهلك ومات إلى النار ماله الذي بخل به لا يغني عنه شيئا، كما قال الله -جل وعلا- عن أبي لهب: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ وقال الله -جل وعلا- في شأن الكافر يوم القيامة إذا أخذ كتابه بشماله أنه يقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ .

وقال -جل وعلا-: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ

تفسير الفاتحة وجزء عم · الصفحة ٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الفاتحة وجزء عمص ٢٤٤