وأحسن ما يشرح هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح، حديث عمران بن حصين، الذي رواه الإمام مسلم: أنه جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلان من مزينة فسألا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن العمل، آلعمل فيما مضى وقدر، أو فيما يكون، ويستقبل؟ أو فيما يستقبل؟ مما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبرهما -صلى الله عليه وسلم-: أن العمل يقع على ما قضي وقدر، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: وذلك قوله -تعالى-: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا فدل ذلك على أن هناك قدرًا سابقًا، وهو الذي علمه الله -جل وعلا- قبل خلق السماوات والأرض.
ولكن العبد مأمور بالكسب والسعي فيما ينفعه؛ ولهذا لما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ففيما العمل يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له فإن كان من أهل السعادة، فسيسر إلى عمل أهل السعادة، وإن كان من أهل الشقاوة، فسيسر إلى عمل أهل الشقاوة، فدلت هذه الآيات على ضلال الجبرية الذين يقولون: إن العبد مجبور على هذه الأعمال، وهذه الأفعال بغير اختياره، وأنه كالريشة في مهب الريح.
كما دلت على بطلان القَدَرية الذين يقولون: إن هذه الأفعال تقع من العباد بغير إرادة الله، فهدى الله -جل وعلا- أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فهداهم إلى ما أرشدهم به نبيهم -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن للعبد مشيئة واختيارا، وأنه يعمل باختياره، وأن له كسبا، ولكنه لا يقع إلا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه، فالمخذول من خذله الله، والموفق من وفقه الله، جل وعلا.