ففي هذا إثبات لقدرة الله -جل وعلا- كما أن للعبد قدرة، وإرادة، وكسبا، الذي بينه الله -جل وعلا- بعد هذا في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا أي: قد أفلح بمعنى فاز وظفر، ونجى من زكى نفسه بمعنى طهرها من الأدناس والأنجاس، ونماها بالإيمان والعمل الصالح، وقد خاب من دساها يعني: خاب وخسر من دنَّس نفسه بالكفر بالله ومعصيته -جل وعلا- فهذا قوله -جل وعلا-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا هذا فيه إثبات كسب العبد، وأن العبد له في فعله اختيار، وأنه يفعل هذه الأفعال باختياره، ولكن هذا الاختيار لا يقع إلا بعد إرادة الله ومشيئته، فقد يعمل العبد عملًا صالحًا، ولكن الله -جل وعلا- يريد له غير ذلك، فيختم الله -جل وعلا- له بخاتمة السوء؛ لأن الله -جل وعلا- لا يقع في ملكه إلا ما يريد.
فالعبد له كسب واختيار، ولكن كسبه واختياره لا يكون إلا بإرادة الله -جل وعلا- ومشيئته، ولا يزكو قلبه، ولا يتطهر، ولا تكون نفسه ملهمة للتقوى إلا إذا أراد الله -جل وعلا- ذلك؛ لأن ذلك بيده؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في الصحيح من دعائه: اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها .