ويؤيد هذا أن الله -جل وعلا- بعد هذه الآية ذكر ترفع الإنسان، وإعجابه بنفسه، فكأن الله -جل وعلا- يقول: خلقناه، فأحسنا خلقه، وأحكمناه، وشددناه، ثم بعد ذلك يظن أن الله -جل وعلا- الذي خلقه لا يقدر عليه، وأنه لا يراه، وهذا فيه توبيخ لهذا الإنسان الذي ظن هذا الظن السيئ.
وقوله -جل وعلا-: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أي أيحسب: أيظن الإنسان أن لن يقدر عليه أحد؟ وقوله: أحد، هذا يشمل الخلق والمخلوق فهو يظن أن لن يقدر عليه أحد سواء كان خالقا، أو مخلوقا.
وقد رد الله -جل وعلا- ذلك وبين -جل وعلا- أنه قادر كما في قوله -جل وعلا-: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ وقال -جل وعلا- في شأن إعادته: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أي أن هذا الإنسان الكافر الذي يظن أن الله -جل وعلا- لا يقدر عليه يقول متباهيًا متعاظمًا: أهلكت مالًا كثيرًا؛ لأن اللبد هو المال، أو الشيء المتجمع الذي يعلو بعضه بعضًا، كما قال الله -جل وعلا- في شأنهم: كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا أي كادوا يكونون طبقات بعضها يعلو بعض.
فهذا يقول: أهلكت مالا لبدا، يقول هذا على وجه الرياء والسمعة، ومحبة المدحة من الخلق، ورغبة في ثناء الخلق عليه، ولم يهلك هذا المال في الحق، وإنما أهلكه في الباطل، وهذا شأن الكافر؛ لأنه -كما تقدم- الكافر يجمع المال، ويبخل به، فيعاقبه الله -جل وعلا- عليه، وهذا جمع المال، فأنفقه في غير طريقه.