ثم قال -جل وعلا-: كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ يعني أنهم لا يكرمون اليتيم، مع أن هذا اليتيم قد فقد أباه، وهو بحاجة إلى أن يرأف به، ويحني عليه، وهو من أولى الناس أن يُرحم؛ لأنه لا يجد عائلًا له، وهو قد فقد حنان الأبوة، فهو بحاجة إلى إكرام؛ ولهذا جاء في شرعنا المطهر فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ .
وحرم الله -جل وعلا- أن يعتدى على هذا اليتيم في ماله وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ويقول -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ولهذا كان الواجب على والي اليتيم أن يراعي هذا اليتيم في ماله، وألا يدفع إليه ماله إلا إذا بلغ الرشد، وأن يتجر في هذا المال، ولا يتركه حتى تأكله الصدقات، بل يجب عليه أن يرعى هذا المال، وأن يجتهد في رعايته وحفظه حتى يدفعه إليه بعد رشده.
وقوله -جل وعلا-: وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ أي لا يحض بعضكم بعضًا على طعام المسكين، ولا يحث بعضكم بعضًا غيره على إطعام المساكين، ولا تتآمرون بذلك، فدل ذلك أنه ينبغي للمسلم، أو ينبغي للمسلمين أن يتآمروا فيما بينهم لإطعام المساكين، فإذا رأى المسلم أخاه، ورأى مسكينًا فينبغي له أن يحثه، ويحضه على إطعامه؛ لأن الله -جل وعلا- ذم على ترك التحاض، ما ذم ترك الإطعام، ذم على ترك التحاض، فمن باب أولى أن يذم على ترك الإطعام.