قال الله -جل وعلا-: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ يعني: أن الله -جل وعلا- أنزل عليهم عذابًا من عنده، فعذبهم به في الدنيا قبل الآخرة، وقوله -جل وعلا- في هذه الآية: سَوْطَ عَذَابٍ قال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- هاهنا قال: سَوْطَ عَذَابٍ ليبين أن عذابهم الذي عذبهم به في الدنيا مع شدته، فإنه كالسوط بالنسبة لعذاب الآخرة، وقال بعض العلماء: إن قوله هاهنا: سَوْطَ عَذَابٍ أن الله -جل وعلا- أخذهم بعذاب شديد؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يعذب أحدًا في الدنيا، فأعلى ما يعذبه به: بضربه بالسياط؛ لأن بالسيف يقتله، ولكن إذا أراد العذاب المؤلم، فإنه يكون بالسياط.
ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الخوارج: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد قال بعض العلماء: إن قوله -صلى الله عليه وسلم-: لأقتلنهم قتل عاد يعني: قتلًا شديدًا، فهو يفسر قوله -جل وعلا-: سَوْطَ عَذَابٍ وقال بعضهم: إن المراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: لأقتلنهم قتل عاد أي: لأقتلنهم قتلًا آتي فيه على جميعهم لا أترك منهم أحدًا، كما أن الله -جل وعلا- لم يترك من عاد أحدًا.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ قال ابن عباس -رضي الله عنه- يعني: يسمع، ويرى.
والمراد أن الله -جل وعلا- مطَّلع عليهم، يطلع على الخلق، ويعلم ما يقولون، ويبصر ما يفعلون، فهو -جل وعلا- راصدٌ لحركاتهم وسكناتهم، وأقوالهم، وأفعالهم، ويرصدهم -جل وعلا- حال إسرارهم وحال علانيتهم.
وهذه الآيات التي تقدمت، فيها تخويف لمن يعصي الله -جل وعلا- لأن المعصية تورث نقمة الله -جل وعلا- وقد يعاجل العبد بالعقوبة في الدنيا كما أن هذه الآيات فيها طمأنة للمؤمنين بأن أعداء الله -جل وعلا- مهما طغوا وبغوا، فإن الله -تعالى- لهم بالمرصاد، وأنهم مهما ملكوا من القوات فالله -جل وعلا- أقوى منهم.