ثم قال -جل وعلا- قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قوله -جل وعلا-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى أي قد أفلح وفاز، ونجا من زكى نفسه، وطهرها من السيئات والمعاصي، ونماها وقواها بالأعمال الصالحة، والإيمان بالله -جل وعلا- فهذا يتزكى.
وهذا التزكي له لا يكون إلا بفعل أسباب الزكاة، وأما نفس التزكي، فإن الله -جل وعلا- إذا أراد بعبده خيرا زكاه؛ ولهذا كانت التزكية لله -جل وعلا- وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ .
وأما العبد فعليه أن يبذل أسباب الزكاة، فإذا أراد الله -جل وعلا- به خيرا زكاه، ومن بذل أسبابها هداه الله -جل وعلا- ووفقه وزكاه، فإضافتها هنا، أو إسناد التزكي له؛ لأنه يفعل أسباب التزكي من الإقبال على طاعة الله، والتفكر في آيات الله ومخلوقاته، والإذعان لأوامر الله، والانتهاء عن نواهيه، وحمل النفس على ذلك، فإذا فعل ذلك كان طالبا للزكاة، وصح أن يطلق عليه متزكيا.
فإذا أراد الله -جل وعلا- به خيرا زكى الله -جل وعلا- قلبه وجوارحه وعمله، فكان من المتزكين، ومن المزكين عند الله -جل وعلا-، وهذا الفلاح في التزكي بينه الله -جل وعلا- في قوله: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى فهذا هو الفلاح الذي ذكره الله -جل وعلا- في هذه الآية، والله -جل وعلا- في آيات أخرى بين لعباده طريق هذه التزكية، وذلك باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .