تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال -جل وعلا- إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ أي: أن الله -جل وعلا- قادر على أن يرجع الإنسان بعد ذلك، فالذي خلقه من ماء مهين قادر على أن يعيده حيا بعد موته، وقد تقدم لنا كثيرا استدلال الله -جل وعلا- بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ .

ثم قال -جل وعلا-: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ أي: أن الله -جل وعلا- يعيد الخلق في يوم تُبْلَى فيه السرائر، بمعنى أن السرائر فيه تُخْتَبر وتمتحن، والسرائر: جمع سريرة ؛ وهو ما يخفيه الإنسان، فالله -جل وعلا- يوم القيامة إذا أرجع الأرواح إلى أجسادها وأعاد الأجساد يبتلي -جل وعلا- سرائر عباده ؛ لأن العبد قد يعمل أعمالا في الظاهر، ولكن سريرته على خلافها، فإذا كان يوم القيامة انكشفت الحقائق أمام الله -جل وعلا-، فمن زعم أنه يعمل لله -جل وعلا- وهو يعمل لغيره فإن الخلق قد يصدقونه في الدنيا، فإذا جاء يوم القيامة وكشف الله -جل وعلا- السرائر وظهرت له أعماله، تبين أن عمله الذي كان يعمله في الدنيا هباءً منثورا.

ثم قال -جل وعلا-: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ أي: أنه إذا ابتلَى الله -جل وعلا- السرائر، وأعاد الأجساد، فإن العبد في ذلك الموقف ليس بقوي يدفع عن نفسه عذاب الله -جل وعلا-، وليس له ناصر يُعِينُه على دفع ما يلقاه من العذاب ؛ لأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فلا أحد يملك أن يدفع عن نفسه شيئا، ولا أن أحد يستطيع أن ينصر غيره، كما قال تعالى: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ .

تفسير الفاتحة وجزء عم · الصفحة ١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير الفاتحة وجزء عمص ١٧٦