ثم ذكر الله -جل وعلا- ما أقسم عليه، فقال -جل وعلا-: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ أي: أنه -جل وعلا- جعل على كل نفس حافظا يرقب حركات العبد وسكناته، وأقواله وأفعاله، كما قال الله -جل وعلا-: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ وقد تقدم بيان ذلك.
وقد أقسم الله -جل وعلا- على ذلك بأنه قد يتوهم بعض العباد -إذا لم يَرَ الملائكة الذين يحفظونه- أن هذا شيء كذب لا حقيقة له ؛ فلذا أكده الله بأن أقسم الله -جل وعلا- عليه.
ثم قال -جل وعلا-: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ هذا فيه أمر من الله -جل وعلا- لعباده بأن ينظروا إلى ما خُلِقُوا منه ؛ لأن النظر إلى مثل هذه الأشياء يورث العبد إيمانا بربه، وزيادة لإيمانه مع إيمانه.
ثم بين -جل وعلا- ما خُلِقَ الإنسان منه، قال تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ أي: خلق هذا العبد من الماء الدافق الذي يصبُّ من الرجل ويخرج من ذكره، وقبل خروجه من الذكر يكون خارجا من صلبه في ظهره، وهذا فيه آية من آيات الله -جل وعلا-، ثم بعد ذلك يضعه في المرأة، فينزل ماؤها الذي يخرج من ترائبها، والترائب: هو الموضع الذي توضع عليه القلادة غالبا، ينزل من ذلك ماء، فيستقر في الرحم، فيجتمع مع ماء الرجل، فيخرج الله -جل وعلا- منه الولد.
وبعض العلماء يقول إنه قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ أن المراد صلب الرجل وترائبه، والله تعالى أعلم بذلك.
ولكن كون هذا الولد يخرج من ماء دافق، من ماء مهين حقير، هذا آية على وحدانية الله -جل وعلا-، وآية على كمال تدبيره لخلقه، وآية على حسن صنعته -جل وعلا-، وآية على قدرته -جل وعلا- على بعث خلقه وإنشائهم مرة أخرى.