والله -جل وعلا- بَيَّن في كتابه أن هذه النار درجات وطبقات، والناس يعذبون في هذه النار بحسب أعمالهم، فمنهم من هو في الدرك الأسفل من النار، ومنهم من يوضع تحت قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذابا، وما بين ذلك يعذب الله -جل وعلا- الناس في النار.
فالشاهد أنه لما كانت النار درجات ودركات وطبقات، وكانت هذه النار فيها من العذاب ما يقع على قدر ذنب العبد وجرمه، فإن هؤلاء لعظم جرمهم، لكونهم لم يقتصروا على الكفر بالله وحده ؛ وإنما تعدوا إلى فتن المؤمنين وصدهم عن دين الله زاد الله -جل وعلا- في عذابهم نكالا لهم، وفي هذه الآية ما يدل على أن العبد المؤمن ولو ارتكب شيئا من السيئات والمعاصي- فإنه لا ينبغي له أن يشهره بين الناس، ويدعو الناس إليه ؛ لأن ذلك من فتن الناس عن دينهم، ومن كان كذلك فيُخْشَى أنه إذا فتن العبد عن دينه، وارتد بسبب ما جلبه له من الوسائل وغيرها أن يدخل في هذه الآية التي توعد الله -جل وعلا- بها الكفار، وما كان دون ذلك من فَتْنِ أولياء الله، ومن فتن المؤمنين بالمعاصي والسيئات فإن له نصيبا من العذاب بقدر جرمه الذي ارتكبه من دعوة الناس إلى معصية الله -جل وعلا.
ثم قال الله -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ .
يعني: أن الذين آمنوا بالله -جل وعلا- وأطاعوه، وصدقوا بما جاءت به الأنبياء والرسل، واستقاموا على دينه وشرعه، فإن الله -جل وعلا- قد أعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، وهذه الأنهار بينها الله -جل وعلا- في قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى .