هذه الآية يتوعد الله -جل وعلا- فيها الذين فتنوا المؤمنين، وجاء الله -جل وعلا- بوصف الإيمان في هذه الآية ليؤكد -جل وعلا- أنهم ما نقموا منهم إلا لإيمانهم، ولم يقل -جل وعلا-: إن الذين فتنوا أولئك، ولكن قال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ ليبين -جل وعلا- ويؤكد أن سبب فتنتهم لأولئك إنما هو إيمانهم الذي ذكره الله -جل وعلا- في قوله: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا .
ثم إنه -جل وعلا- جاء بهذا الوصف ليبين عموم هذا الحكم لجميع الناس، جاء بهذا الوصف، وأدخل عليه الألف واللام، وذلك يقتضي العموم، فالذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات فإنهم داخلون في هذه الآية، بالوصف الإيمان الذي ذكره الله -جل وعلا- وإن كان أولئك الذين قَصَّ الله -جل وعلا- خبرهم هم الداخلين في هذه الآية مباشرة، وهم المرادون بها عند أكثر علماء التفسير.
ثم قال -جل وعلا-: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ فالذين يعذبهم الله -جل وعلا- ويستحقون هذا الجزاء هم الذين فتنوا المؤمنين عن دينهم، ثم أصروا على ذلك فماتوا ولم يتوبوا، وأما من فتن المؤمنين ثم تاب بعد ذلك فلا يكون داخلا في هذه الآية ؛ لأن الله -جل وعلا- يتوب على من تاب، وذلك غاية الكرم منه -جل وعلا- لعباده، يقتلون أولياءه ويدعوهم -جل وعلا- إلى التوبة، وهذا يدل على أن على أن العبد لا يتعاظم ذنب فعله أن يغفره الله -جل وعلا- له، ولو كان ذلك بقتل الأنفس ؛ فإن الله -جل وعلا- قد دعا عباده إلى التوبة مما هو أعظم من قتل الأنفس أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .