ثم قال -جل وعلا-: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ يعني: أن هؤلاء الكفار لماذا لا يؤمنون بالله -جل وعلا ؟ ولماذا لا يؤمنون بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم ؟ ولماذا لا يؤمنون بالبعث والنشور، وهم يرون آيات الله -جل وعلا- التي يُسَيِّرُها ليراها عباده بأعينهم في هذه الحياة الدنيا ؟ ولكن كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ .
ثم قال -جل وعلا-: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ أي: إن هذا القرآن بما اشتمل عليه من آيات عظيمة حريٌّ بهؤلاء الكفار أن يسجدوا لهذا القرآن لعظمته، ويؤمنوا بما فيه من الآيات.
ومن هذه الآية أخذ الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- وبعض العلماء إلى أن سجود التلاوة واجب ؛ لأن الله -جل وعلا- ذم الكفار إِذْ لم يسجدوا، ولكن الذي عليه جمهور العلماء والذي دلت عليه النصوص: أن سجود التلاوة سنة وليس بواجب ؛ لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- تلا آية السجدة في سورة النحل يوم الجمعة على المنبر، ثم نزل وسجد، ثم لما جاءت الجمعة الأخرى قرأها ولم يسجد، وقال: من شاء سجد، ومن لم يشأ لم يسجد.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- سجد مرة في سورة النجم، ومرة لم يسجد، فدل ذلك على أن السجود ليس بواجب، ولو كان واجبُا لسجدَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم.
ولكن هذه الآية تدل على ذم الكفار الذين لا يستجيبون لهذا القرآن، ولا يذعنون لأوامر الله -جل وعلا-، ولا ينتهون عن نواهيه التي جعلها في هذا الكتاب العظيم.
ثم قال -جل وعلا-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي: ما منعهم من الإيمان ؟ وما منعهم من الإذعان لهذا القرآن إلا لأنهم يكذبون؟! عبر الله -جل وعلا-عنهم بصيغة المضارع، وهذا يدل على أنهم في حالهم وفي مستقبلهم يكذبون ويصرون على تكذيبهم.
كما قال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ .