في صفة اللّه تعالى وتقدّس، أَو لأَن اللافظ بها قد أَخْلَصَ التوحيدَ للّه عزّ وجلّ، وكلمة الإِخلاص
كلمة التوحيد، وقوله تعالى: من عبادنا المُخْلَصِين، وقرئ المُخْلِصين، فالمُخْلَصُون المُخْتارون، والمُخْلِصون المُوَحِّدُون .. أي إن موسى كان موحدا لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له .. وهذا بشهادة الله الخلاق العليم وبما ضمنه في القرآن وفي الآية السالفة البيان ..
((وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52).)) .. لطُّورُ: الجبَلُ. وطُورُ سِينَاءَ: جَبل بالشام، وهو بالسُّرْيانية طُورَى، والنسبُ إِليه طُورِيٌّ وطُورانِيٌّ. وفي التنزيل العزيز: وشجرةٍ تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ؛ الطُّورُ في كلام العرب الجَبلُ، وقيل: إِن سَيناء حجارة، وقيل: إِنه اسم المكان، وحَمَامٌ طُورانِيٌّ وطُورِيّ ٌمنسوب إِليه، وقيل: هو منسوب إِلى جبل يقال له طُرْآن نسب شاذ، ويقال: جاء من بلد بعيد. وقال الفراء في قوله تعالى: والطُّورِ وكتابٍ مَسْطورٍ؛ أَقْسَم الله تعالى به، قال: وهو الجبل الذي بِمَدْيَنَ الذي كَلّم اللهُ تعالى موسى، عليه السلام، عليه تكليماً .. وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا: ونَجاهُ نَجْواً ونَجْوى: سارَّه. والنَّجْوى والنَّجِيُّ: السِّرُّ. والنَّجْوُ: السِّرُّ بين اثنين، يقال: نَجَوْتُه نَجْواً أَي سارَرْته، وكذلك ناجَيْتُه، والاسم النَّجْوى .. والنَّجِيُّ، على فَعِيل: الذي تُسارُّه، والجمع الأَنْجِيَة. قال الأَخفش: وقد يكون النَّجِيُّ جَماعة مثل الصدِيق، قال الله تعالى: خَلَصُوا نَجِيّاً. قال الفراء: وقد يكون النَّجِيُّ والنَّجْوى اسماً ومصدراً. وفي حديث الدُّعاء: اللهم بمُحمد نبيِّك وبمُوسى نَجِيَّك؛ هو المُناجِي المُخاطِب للإِنسان والمحدِّث له، وقد تنَاجَيا مُناجاة وانْتِجاء. وفي الحديث: لا يَتناجى اثنان دون الثالث، وفي رواية: لا يَنْتَجِي اثنان دون صاحبهما أَي لا يَتَسارَران مُنْفَردَيْن عنه لأَن ذلك يَسوءُه. وفي حديث علي، كرم الله وجهه: دعاهُ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، يومَ الطائف فانْتَجاه فقال الناسُ: لقد طالَ نَجْواهُ فقال: ما انْتَجَيْتُه ولكنَّ اللهَ انْتَجاه أَي أَمَرَني أَن أُناجِيه. وفي حديث ابن عمر، رضي الله عنهما: قيل له ما سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في النَّجْوى؟ يُريد مناجاة َالله تعالى للعبد يوم القيامة ..
((وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53).)) .. الرَّحْمة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ مثله، وقد رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عليه. وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بعضهم بعضاً. والرَّحْمَةُ: المغفرة؛ وقوله تعالى في وصف القرآن: هُدىً ورَحْمةً لقوم يؤمنون؛ أَي فَصَّلْناه هادياً وذا رَحْمَةٍ؛ وقوله تعالى: ورَحْمةٌ للذين آمنوا منكم؛ أَي هو رَحْمةٌ لأَنه كان سبب إِيمانهم، رَحِمَهُ رُحْماً ورُحُما ًورَحْمةً ورَحَمَةً؛ حكى الأَخيرة سيبويه .. جعل الله هارون وزيرا له وأشركه في النبوة استجابة لدعوة موسى عليه السلام حيث قال: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) .. )) – سورة طه ..
وتتواصل الرحلة مع الأنبياء ومع رسالة التوحيد الموحدة بين كل الأنبياء والمرسلين .. وبين كل الأديان وبين الإنسان والكون والحياة .. الله واحد .. والكون واحد .. والإنسان واحد .. والدين واحد .. والدعوة للجميع بالسمع والطاعة وعدم الإشراك ..
((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55).)) .. وإسماعيل هو ابن إبراهيم عليه السلام ورث النبوة والكتاب .. ودعوته واحدة: الصلاة والزكاة في وحدة واحدة لا انفصام لها .. والبدء دائما بالأقربين .. بالأهل .. وأهل الرجل زوجته وأطفاله .. يأمرهم بالصلاة والزكاة هكذا معا العبادة الروحية مقترنة على الدوام في كل الأديان بالعبادة المالية .. فالدين هو بذل وعطاء في كل مجال وفي كل شيء حلال .. وعطاء مستمر نحو الذات والزوج والولد والأقربين والأبعدين إفادة ورحمة للجميع ابتغاء مرضاة الله في الدنيا والآخرة التي لا شك فيها إطلاقا ..
نفس الشيء يقال عن كل الأنبياء والمرسلين من حيث وحدة الرسالة ووحدة الدين ووحدة الألوهية ووحدة العبودية ..
((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57).)) .. في السماء حيث قال العلماء إنه في السماء الرابعة والله أعلم ..
((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58).)) .. هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا: