((يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا (44).)) .. والشَّطْنُ: مصدر شَطَنَه
يَشْطُنُه شَطْناً خالفه عن وجْهه ونيته. والشيطانُ: حَيَّة ٌله عُرْفٌ. والشاطِنُ: الخبيث. والشَّيْطانُ: فَيْعال من شَطَنَ إذا بَعُدَ فيمن جعل النون أَصلاً، وقولهم الشياطين دليل على ذلك. والشيطان: معروف، وكل عات متمرد من الجن والإِنس والدواب شيطان .. والعِصيانُ: خِلافُ الطَّاعَة. عَصى العبدُ ربه إِذا خالَف أَمْرَه، وعصى فلان أَميرَه يَعْصِيه عَصْياً وعِصْياناً ومَعْصِيَةً إِذا لم يُطِعْهُ، فهو عاصٍ وعَصِيٌّ ..
((يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45).)) .. الولي هو المصاحب والولي والناصر ..
كانت حجج إبراهيم واضحة لا لبس فيها ولا التباس .. ولكن والده عوض أن يرعوي ويتوب ويلتزم جادة الصواب واجهه بقوله:
((قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46).)) .. يقال: رَغِبْتُ إِلى فلانٍ في كذا وكذا أَي سأَلتُه إِيَّاه. ورُوِي عن النبي، صلى اللّه عليه وسلم، أَنه قال: كيفَ أَنتُم إِذا مَرِجَ الدِّينُ، وظَهَرَتِ الرَّغْبة؟ وقوله: ظَهَرَتِ الرَّغْبةُ أَي كثُر السُّؤال وقَلَّتِ العِفَّة، ومَعْنَى ظُهورِ الرَّغْبة: الحِرْصُ على الجَمْع، مع مَنْعِ الحَقِّ. رَغِبَ يَرْغَبُ رَغْبة إِذا حَرَصَ على الشيءِ، وطَمِعَ فيه.
والرَّغْبة: السُّؤالُ والطَّمَع .. ورَغَبُ النفسِ سَعَةُ الأَمَلِ وطَلَبُ الكثير؛ ومن ذلك صلاةُ الرَّغائِب، واحدتُها رَغيبةٌ؛ والرَّغيبةُ: الأَمرُ المَرْغوبُ فيه. ورَغِبَ عن الشيءِ: تَرَكَه مُتَعَمّداً، وزَهِدَ فيه ولم يُرِدْهُ. ورَغِبَ بنفسه عنه: رأَى لنفسِه عليه فضلاً. وفي الحديث: إِني لأَرْغَبُ بك عن الأَذانِ. يقال: رَغِبْتُ بفلانٍ عن هذا الأَمرِ إِذا كَرِهْتَه له، وزَهِدتَ له فيه .. يقال: هَجَرْتُ الشيء هَجْراً إِذا تركته وأَغفلته .. الهَجْرُ: ضد الوصل. هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً .. أي طلب منه أن يبعد عنه طوال الحياة حتى يسلم من مضرته ..
((قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47).)) .. وحَفِيَ به حِفَايةً، فهو حَافٍ وحَفِيٌّ، وتَحَفَّى واحْتَفَى: لَطَفَ بِهِ وأَظهر السرورَ والفَرَحَ به وأَكثر السؤال عن حاله. وفي الحديث: أَنَّ عجوزاً دخلَت عليه فسَأَلها فأَحْفَى وقال: إنَّها كانت تَأْتِينا في زَمَن خَدِيجَة وإنَّ كَرَم العَهْدِ من الإيمان. يقال: أَحْفَى فلان بصاحبه وحَفِيَ به وتَحَفَّى به أَي بالَغَ في بِرِّهِ والسؤال عن حاله .. ويقال: تَحَفَّيْتُ بفلان في المسأَلة إذا سأَلت به سؤالاً أَظهرت فيه المحَبَّةَ والبِرَّ .. وقوله: إنه كان بي حَفِيّاً؛ معناه كان بي مَعْنِيّاً؛ وقال الفراء: معناه كان بي عالماً لطيفاً يجيب دعوتي إذا دعوته. ويقال: تحَفَّى فلان بفلان معناه أَنه أَظهر العِناية في سؤَاله إياه. يقال: فلان بي حَفِيٌّ إذا كان مَعْنِيّاً ..
((وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48).)) .. عَزَلَ الشيءَ يَعْزِلُه عَزْلاً وعَزَّلَهُ فاعْتَزَلَ وانْعَزَلَ وتَعَزَّلَ: نَحَّاه جانِباً فَتَنَحَّى .. واعْتَزَلَ الشيءَ وتَعَزَّلَه، ويتعديان بعَنْ: تَنَحَّى عنه .. واعْتَزَلْتُ القومَ أَي فارَقْتهم وتَنَحَّيت عنهم ..
((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50).)) .. والمعنى أن الله سبحانه وتعالى آنس وحشة إبراهيم عليه السلام بالولد والذرية بعد أن فارق قومه وما يعبدونه من أوثان من دون الله .. ليس هذا فقط بل جعل في ذريته النبوة والكتاب .. أي دين التوحيد الخالص .. ورفع مكانته ومكانتهم في الدنيا والآخرة .. وفي ذلك عبرة لكل مؤمن يتوكل على الله وحده ويخلص له العبادة والطاعة والعمل فيعوضه الله خير تعويض في الدنيا والآخرة ..
هذه رحلة الإيمان والتوحيد مع أنبياء وخاصته .. رحلة عبادة الله الواحد .. لا شريك له .. ولا زوجة له ولا ولد وليس كمثله شيء .. ولا يحده المكان ولا الزمان .. الرابط بين الجميع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وما يتبع تلك الشهادة من عمل وبر وطاعات ومعاملات وفق نهج الله القويم العدل المعتدل .. وإذا تأملنا كل الشرائع السماوية .. وكل الرسالات وكل مقولات الأنبياء والمرسلين فإننا نجد قاسما مشركا بينها ومرجعا واحدا متسق الأبعاد لا لبس فيه ولا التباس .. وهذه قصة موسى مثلا حجة دامغة لكل محتج:
((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا (51).)) .. والمُخْلِص: الذي وحّد اللّه تعالى خالصاً ولذلك قيل لسورة: قل هو اللّه أَحد، سورة الإِخلاص؛ قال ابن الأَثير: سميت بذلك لأَنها خالصة