* التحليل:
الحقيقة الثابتة التي جاء القرآن الكريم لترسيخها في الأذهان والأقوال والأفعال والقلوب والصدور .. هي التوحيد الخالص .. حيث أكد في كل مراحله على أن الدين واحد من البدء .. لا إله إلا الله .. أي عبادة الله وحده لا شريك له بكل إخلاص .. من آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام وهو الإسلام الحنيف دين التوحيد الخالص والعدل والإعتدال .. انطلاقا من ذلك جاءت قصص الأنبياء .. والأركان والقيم والمبادئ رفعا للالتباس حتى تكون العبادة في الفرد والعائلة والمجتمع والمعاملة منطلقة من أسس ثابتة ومن أركان ركينة لا يرقى إليها الشك .. ولا يداخلها الغموض إطلاقا .. من هنا ورد ذكر إبراهيم عليه السلام في سياق سورة مريم ربطا للصلة الإيمانية بين الجميع:
((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41).)) .. الكتاب المقصود هنا هو القرآن الكريم .. ذكر الشيء حفظه ولم ينسه .. إن إبراهيم كان كثير التصديق بوحدانية الله .. والصِّدِّيقُ: المُصَدِّقُ. وفي التنزيل: وأُمُّه صِدِّيقةٌ أي مبالغة في الصِّدْق والتَّصْديِقِ على النسب أي ذات تَصْدِيق.
وقوله تعالى: والذي جاء بالصِّدْقِ وصَدَّق به. روي عن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، أنه قال: الذي جاء بالصِّدْق محمدٌ، صلى الله عليه وآله وسلم، والذي صَدَّقَ به أَبو بكر، رضي الله عنه، وقيل: جبرئيل ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، وقيل: الذي جاء بالصدق محمدٌ، صلى الله عليه وآله وسلم، وصَدَّقَ به المؤمنون. الليث: كل من صَدَّقَ بكل أَمر الله لا يَتخالَجُه في شيء منه شكٌّ وصَدَّقَ النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فهو صِدِّيقٌ، وهو قول الله عز وجل: والصِّدِّيقون والشُّهَداء عند ربهم. والصِّدِّيقُ: المبالغ في الصِّدْق. وفلان لا يَصْدُق أَثَرُهُ وأَثَرَهَ كَذِباً أي إذا قيل له من أين جئت قال فلم يَصْدُقْ ..
وما دام إبراهيم قد صدق بالتوحيد .. وتوجه لعبادة الله الذي لا شريك له .. فقد توجه فورا إلى تغيير المنكر .. والبداية بأقرب الناس إليه .. والده .. وكان أبوه يصنع التماثيل ويبيعها .. فهناك إذا مصلحة اقتصادية تنجر عن نشاطه الذي يبدو أنه كان نافقا .. ومن منطلق المصلحة والمنفعة كان يمكن لإبراهيم أن يستفيد من مكانة أبيه وأن يبتزه في المال وأن يعيش موفور الكرامة في مجتمعه في أمن اقتصادي واجتماعي .. ولكن المسألة لم تكن مسألة مال أو منافع أو منزلة .. فالله هو الرزاق الفتاح العليم .. ولكن المسألة كانت تتعلق بمستقبل الإنسان – كل إنسان – في هذا الكون والحياة إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. الإنسان الذي خلقه الله عز وجل للعبادة .. للتوحيد .. وليس لشيء آخر .. لذلك أحسن إبراهيم البداية كي يحسن الانتهاء إلى النتيجة المرجوة .. فأبوه ((آزر)) وهو كافر .. وإبراهيم نبي صالح .. ومصدق كبير بوحدانية الله .. ومع ذلك توجه إلى أبيه الكافر بكل أدب ولطف واختار الكلمات بعناية .. كي يلفت نظره إلى انحراف العقيدة الذي يؤدي إلى انحراف الحياة وبالتالي انحراف المآل والمصير في الدين والدنيا والآخرة ..
((إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42).)) .. عبده عبادة: ذل وخضع وطاع له .. ولكن الذي تعبده لا يسمع ولا يرى ويرجى منه نفع .. فكيف تكون العبادة لشيء لا تتوفر فيه خواص السمع والبصر والإجابة والإستجابة؟ .. نناقش الأمور بالمنطق بالعقل؟ .. كيف تعبد حجارة أنت تنحتها .. تصنعها جامدة .. بلهاء .. لا تنفع ولا تضر .. لتتوجه إليها بالإخلاص والتقرب .. ؟ .. وكأن أباه صمت يتأمل .. ويفكر في هذه المفاجأة؟ .. فزاده إبراهيم:
((يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) .. )) .. علم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. هداه هداية: أرشده ضد أضله .. الهداية الرشاد ضد الضلال .. الصراط جمع صرط الطريق وما استوى منها .. بشره بأنه أوتي علما من لدن الله العزيز العليم .. حتى يطمئن له ويصدقه ويتبعه الى نهج الهدى والإستقامة .. وأول استقامة لغة الحوار والأدب والإحترام التي يمارسها معه رغم كفره ..