تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعْتَبِرُوها لئلا تَنْسَوْها في المنزل، وقال الأَخفش: النِّسْيُ ما أُغفل من شيء حقير ونُسِيَ، وقال الزجاج: النِّسْي في كلام العرب الشيء المَطْرُوح لا يُؤْبَهُ له ..

((فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24).)) .. ورجل سَريٌّ من قوم أَسْرِياءَ

وسُرَوَاءَ؛ كلاهما عن اللحياني. والسَّرَاةُ: اسم للجمع، وليس بجمع عند سيبويه، قال: ودليل ذلك قولهم سَرَواتٌ؛ قال الشاعر: تَلْقَى السَّرِيَّ من الرجال بِنفسه، وابنُ السَّرِيِّ، إذا سَرَا، أَسْراهُما أَي أَشْرَفُهما. وقولهم: قومٌ سراةٌ جمعُ سَرِيٍّ، جاء على غير قياس أَن يُجْمَع فَعِيلٌ على فَعَلَة، قال: ولا يُعرَف غيره، والقياس سُراةٌ .. أَبو العباس: السَّرِيُّ الرَّفيع في كلام العرب، ومعنى سَرُوَ الرجلُ يَسْرو أَي ارْتَفَع يَرْتَفِع، فهو رَفِيعٌ، مأْخوذ من سَرَاةِ كلِّ شيء ما ارْتَفَع منه وعَلا .. والسَّرِيُّ: المُخْتار .. وسَراةُ كُلِّ شيءٍ: أَعْلاه وظَهْرُه ووسَطه .. والسَّرِيُّ: النَّهْر؛ عن ثعلب، وقيل: الجَدْول، وقيل: النَّهْر الصغير كالجَدْول يجري إلى النَّخْل .. والمعنى أن الله أنطق عيسى عليه السلام فكلم أمه فور خروجه من بطنها بقوله إن الله قد جعل تحتها رجلا عظيما مختارا .. وجعل تحتها جدول ماء تتطهر منه وكان من قبل جافا فأجراه الله تكريما لمريم وابنها عيسى عليه السلام ..

((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26).)) .. أمر الله باتخاذ الأسباب في طلب الرزق .. وليس بالتواكل والكسل .. والدليل على ذلك أن مريم أمرها أن تهز جذع النخلة .. وهي نخلة جافة .. تعطلت عن الإنتاج .. وفي لحظات نبع الماء من تحتها في الجدول .. وأثمرت وأينعت من الرزق الذي ختمه الله .. ولم يكن على مريم إلا أن تضع يدها على النخلة لتتساقط عليها الرطب .. وفيها الفوائد الجمة للمرأة التي تضع المولود الجديد .. لما في التمر من حريرات مرتفعة ومن فيتامينات وأملاح معدنية تقوي الجسم وتعوضه ما فقد من طاقة .. فأمرها هنا بثلاثة أشياء: تناول الطعام متمثلا في التمر .. وشرب الماء .. والنوم .. حتى تستعيد نشاطها .. وأن تعرض عن الكلام مستعيضة بالإشارة .. هربا من تقولات السفهاء ..

((فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27).)) .. يقال: فلان يَفْرِي الفَرِيَّ إِذا كان يأْتي بالعَجَب في عمله .. وتَفَرَّت الأَرضُ بالعُيون: تَبَجَّسَتْ .. والفِرْيةُ: الكذب. فَرَى كذباً فَرْياً وافْتَراه: اختلقه. ورج فَرِيّ ٌومِفْرًى وإِنه لقَبِيح الفِرْية؛ عن اللحياني. الليث: يقال فَرَى فلان الكذب يَفْريه إِذا اختلقه، والفِرْية من الكذب .. وفي حديث عائشة، رضي الله عنها: فقد أَعظم الفِرْيةَ على الله أَي الكَذِب. وفي حديث بَيْعة النساء: ولا يأْتِين ببُهتانٍ يَفْتَرِينه؛ هو افتعال من الكذب ..

((يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28).)) .. هنا عرضوا بها باسم رجل فاسق في زمانها يدعى هارون .. وليس هارون شقيق موسى عليهما السلام .. وبينهما حوالي ألف سنة .. فجعلوها قرينة الشر في جمعها مع أفسق رجل في مدتها .. وهذا التعريض يمارسه السفهاء للحط من قيمة الشرفاء دون أن يدركوا بغيتهم لأن الله يحفظ الشريف ويزيده رفعة على رفعة .. ويزيد الأشرار ضعة على ضعة .. بَغِيًّا: وبَغَتِ الأَمة تَبْغِي بَغْياً وباغَتْ مُباغاة وبِغاء، بالكسر والمدّ، وهي بَغِيّ ٌوبَغُوٌ: عَهَرَتْ وزَنَتْ، وقيل: البَغِيُّ الأَمَةُ، فاجرة كانت أَو غير فاجرة، وقيل: البَغِيُّ أَيضاً الفاجرة، حرة كانت أَو أَمة. وفي التنزيل العزيز: وما كانت أُمُّكِ بغيّاً؛ أَي ما كانت فاجرة ..

((فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29).)) .. والمَهْد: مَهْدُ الصبيّ. ومَهْدُ الصبي: موضعه الذي يُهَيّأ ُله ويُوَطَّأُ لينام فيه. وفي التنزيل: من كان في المَهْد صبيّاً؛ والجمع مُهُود ..

((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30).)) .. هذا كلام عيسى عليه السلام حيث أنطقه الله وهو في المهد ردا على الأراجيف التي واجهت أمه الطاهرة البتول .. عبد الله عبادة: ذل وخضع وطاع له .. وصف ذاته بأنه عبد الله .. وليس إبنا لله .. حيث ان الله هو العزيز الحميد الذي أوجد وأبدع من عدم .. ولم يتخذ زوجة ولا ولدا .. والكون العظيم .. والخلق العظيم من إبداعه .. ولا يعقل البتة أن يكون الله العظيم الكبير المتعالي زوجا لامرأة من خلقه .. إنه منتهى التناقض الصارخ الذي لا يقبله العقل ولا المنطق .. ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)): فعيسى مخلوق كبقية المخلوقات .. وقد خلق الله آدم من قبل من لاشيء .. وأوجد

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ٩٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ٩٥٠