((قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا (18).)) .. عاذ به يَعُوذُ عَوْذاً وعِياذاً ومَعاذاً: لاذ فيه ولجأ َإِليه واعتصم. ومعاذَ اللهِ أَي عياذاً بالله .. اتقاه: خافه وحذره .. فعلمت مريم أن التقي لا يمكنه فعل المعاصي إذا ذكر بالله العزيز الجبار ..
((قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19).)) .. والغُلامُ معروف. ابن سيده: الغُلامُ الطَّارُّ الشارب، وقيل: هو من حين يولد إلى أَن يشيب، والجمع أَغْلِمَةٌ وغِلْمَةٌ وغِلْمانٌ .. الزَّكاء، ممدود: النَّماء والريع زكا يزكو زَكاء وزُكُوّاً. وفي حديث علي، كرم الله وجهه: المالُ تنقُصه النَّفقة والعِلم يَزْكُو على الإِنْفاقِ، فاستعار له الزَّكاء وإِن لم يك ذا جِرْمٍ، وقد زَكَّاه اللهُ وأَزْكاه .. والزَّكاةُ: الصلاحُ. ورجل تقيٌّ زَكِيٌّ أَي زاكٍ من قوم أَتْقياء أَزْكِياء، وقد زكا زكاء وزُكُوّاً وزَكِيَ وتَزَكَّى، وزَكَّاه الله، وزَكَّى نفسَه تَزْكِيةً: مدَحها ..
((قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا (20).)) .. أنى: معناه أَيْنَ. أنى هذا أَي من أَيْن لك هذا، وهي من الظروف التي يُجازى بها، تقول أنى تأتني آتِكَ؛ معناه من أَيّ جهة تَأْتِني آتِكَ، وقد تكون بمعنى كيفَ، تقول أنى لك أَنْ تَفْتَحَ الحِصْنَ أَي كَيْفَ لكَ ذلك. التهذيب: قال بعضهم أنى أداة ولها معنيان: أَحدهما أَن تكون بمعنى مَتى؛ قال الله تعالى: قلتم أنى هذا؛ أَي مَتى هذا وكيف هذا، وتكون بمعنى من أَيْنَ، قال الله تعالى: وأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ من مَكانٍ بَعِيدٍ؛ يقول: من أَيْنَ لهم ذلك .. ((وَلَمْ يَمْسَسْنِي)) .. والمَسُّ؛ مَسُّك الشيءَ بيدك. قال اللَّه تعالى: وإِن طلَّقْتُمُوهُنَّ من قَبْلِ أَن تُمَاسُّوهُنَّ، وقرئ: من قبل أَن تَمَسُّوهُنّ، قال أَحمد بن يحيى: اختار بعضهم ما لم تَمَسُّوهُنّ، وقال: لأَنَّا وجَدنا هذا الحرف في غير موضع من الكتاب بغير أَلف: يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، فكل شيء من هذا الكتاب، فهو فعل الرجل في باب الغشيان. وفي حديث فتح خيبر: فَمَسَّهُ بعذاب أَي عاقَبَه .. وفي حديث أَبي قتادة والمِيضَأَة: فأَتيته بها فقال: مَسُّوا منها أَي خذوا منها الماء وتوضَّؤُوا. ويقال: مَسِسْتُ الشيءَ أَمَسُّه مَسّاً لَمَسْتَه بيدك، ثم استعير للأَخذ والضرب لأَنهما باليد، واستعير للجماع لأَنه لَمْسٌ، وللجُنون كأَن الجن مَسَّتْه؛ يقال: به مَسٌّ من جنون. وقوله تعالى: ولم يَمْسَسْني بَشَرٌ أَي لم يَمْسَسْني على جهة تزوُّجٍ، ولم أَكُ بغيّاً أَي ولا قُرِبْتُ على غير حد التزوُّج. وماسَّ الشيءُ مُمَاسَّةً ومِساساً: لَقِيَه بذاته. وتَمَاسّ الجِرْمانِ: مَسَّ أَحدُهما الآخر. وحكى ابن جني: أَمَسَّهُ إِياه فعدَّاه إِلى مفعولين كما ترى ..
((قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21).)) .. آية: علامة .. دليلا على وجود الله الواحد لا شريك له ولا زوجة له ولا ولد .. الخلاق العليم .. وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا: وقَضاء الشيء: إِحْكامُه وإِمْضاؤُه والفراغ منه فيكون بمعنى الخَلْق. وقال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إِلى انقطاع الشيء وتمامه. وكلُّ ما أُحْكِم عمله أَو أُتِمَّ أَو خُتِمَ أَو أُدِّيَ أَداء أَو أُوجِبَ أَو أُعْلِمَ أَو أُنْفِذَ أَو أُمْضِيَ فقد قُضِيَ .. قال: وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث، ومنه القَضاء المقرون بالقَدَر، والمراد بالقَدَر التقدير، وبالقَضاء الخَلق كقوله تعالى: فقَضاهن سبع سموات؛ أَي خلقهن، فالقَضاء والقَدَرُ أَمران مُتَلازمان لا يَنْفك أَحدهما عن الآخر، لأَن أَحدهما بمنزلة الأَساس وهو القَدر، والمعنى أنه مقدر في اللوح المحفوظ لا رجعة فيه ..
((فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) قصا قصوا وقُصُوًّا وقَصاً وقَصاء وقَصِيَ: بَعُدَ. وقَصا
المَكانُ يَقْصُو قُصُوّاً: بَعُدَ .. قال العلماء ابتعدت عن بيت المقدس اجتنابا للأقاويل واتخذت من بيت لحم .. على بعد ثمانية أميال من بين المقدس مكانا لها لا يراها فيه أحد ..
((فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23).)) .. النِّسْيُ: المَنْسِيُّ. وقوله عز وجل حكاية عن مريم: وكنتُ نِسْياً مَنْسِيًّا؛ فسره ثعلب فقال: النِّسْيُ خِرَقُ
الحَيْضَ التي يُرمَى بها فتُنْسَى، وقرئ: نِسْياً ونَسْياً، بالكسر والفتح، فمن قرأ بالكسر فمعناه حَيْضة ملقاة، ومن قَرأَ نَسْياً فمعناه شيئاً مَنسِيًّا لا أُعْرَفُ .. والنِّسْيُ أَيضاً: ما نُسي وما سَقَط في منازل المرتحلين من رُذال أَمْتعتهم. وفي حديث عائشة، رضي الله عنها: ودَدْتُ أَنِّي كنتُ نِسْياً مَنْسِيّاً أَي شيئاً حقِيراً مُطَّرَحاً لا يُلْتَفَت إِليه. ويقال لخِرقة الحائضِ: نِسّيٌ، وجمعه أَنْساء. تقول العرب إذا ارتحلوا من المنزل: انظروا أَنساءَكم، تريد الأَشياء الحَقيرة التي ليست عندهم ببال مثل العَصا والقَدَح والشِّظاظ أَي