((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57).)) .. عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً: الكِنُّ والكِنَّةُ والكِنَانُ: وِقاء كل شيءٍ وسِتْرُه. والكِنُّ: البيت أَيضاً، والجمع أَكْنانٌ وأَكِنةٌ .. وفي الحديث: على ما اسْتَكَنَّ أَي اسْتَتَر. والكِنُّ: كلُّ شيءٍ وَقَى شئاً فهو كِنُّه وكِنانُه، والفعل من ذلك كَنَنْتُ الشيء أَي جعلته في كِنٍّ. وكَنّ َالشيءَ يَكُنُّه كَنّاً وكُنوناً وأَكَنَّه وكَنَّنَه: ستره .. أَنْ يَفْقَهُوهُ: الفِقْهُ: العلم بالشيء والفهمُ له، وغلبَ على عِلْم الدين لسِيادَتِه وشرفه وفَضْلِه على سائر أَنواع العلم كما غلب النجمُ على الثُّرَيَّا والعُودُ على المَنْدَل .. والفِقْهُ في الأَصل الفَهْم. يقال: أُوتِيَ فلانٌ فِقْهاً في الدين أَي فَهْماً فيه. قال الله عز وجل: ليَتفَقَّهوا في الدين؛ أَي ليَكونوا عُلَماء به .. وفَقِه الشيءَ: عَلِمَه. وفَقَّهَه وأَفْقَهَه: عَلَّمه. وفي التهذيب: وأَفْقَهْتُه أَنا أَي بَيَّنْتُ له تَعَلُّم الفِقْه. ابن سيده: وفَقِهَ عنه، بالكسر، فَهِمَ. ويقال: فَقِهَ فلانٌ عني ما بَيَّنْتُ له يَفْقَه فِقْهاً إذا فَهِمَه .. وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا: الوَقْرُ: ثِقَلٌ في الأُذن، بالفتح، وقيل: هو أَن يذهب السمع كله،
والثِّقَلُ أَخَفُّ من ذلك. وقد وَقِرَتْ أُذنه، بالكسر، تَوْقَرُ وقْراً أَي صَمَّتْ ..
((وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58).)) ..
الغَفُورُ الغَفّارُ، جلّ ثناؤه، وهما من أَبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة وغَفْراً وغُفْراناً، وإنك أَنت الغَفُور الغَفّار يا أَهل المَغْفِرة. وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر. غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها .. ((مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً)): وَأَلَ إِليه وَأْلاً ووُؤُولاً وَوَئيلاً ووَاءَلَ مُواءَلَة ووِئالاً: لجأَ. والْوَأْلُ والمَوْئِلُ: الملجأُ، وكذلك المَوْأَلَةُ مثال المَهْلَكة؛ وقد وأَلَ إِليه يَئِلُ وَأْلاً ووُؤُولاً على فُعول أَي لجأَ، ووَاءل منه على فاعَل أَي طلب النجاة ..
((وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59).)) .. مثل أقوام لوط وعاد ومدين .. جعل لهلاكهم وقتا لا يتجاوزونه .. والهلاك لا يكون إلا في ميتة سوء والعياذ بالله .. ونفس الدرس يتكرر على مر الأيام وتوالي السنين والقرون .. ولكن الناس لا يأخذون عبرة .. ولا يستفيدون من الدروس ومن الآثار .. ويحسبون أنهم مخلدون في الأرض .. ويأخذهم الغرور .. والعزة بالإثم .. نعم من حق المؤمن أن يعتز بدينه .. وبكرامته .. وبعلمه وأن يستزيد منه .. ولكن ليس من حقه أن يحدث نفسه مجرد حديث أنه أعلم الناس .. حتى الأنبياء يتواضعون للخلق .. حبا في الخلق وحبا في الخالق الذي أبدع وأعطى ومن على الخلق بنعم لا تحصى ولا تعد .. وقد سأل موسى عليه السلام ربه من أعلم أهل الأرض فأوحى إليه أن الخضر عليه السلام هو أعلمهم .. فطلب من الله العزيز الحكيم أن يعرفه به ليزداد العلم .. وهذا مطلب كل عالم لا يشيع من العلم .. ويستزيد منه طوال حياته بكل تواضع .. وأعلمه الله سبحانه و تعالى أن الخضر عليه السلانم يوجد بمكان معين علامته أن فقد فيه سمكه الذي يعود إلى البحر هربا .. فتوكل موسى على الله وسار يطلب علما ويستزيد حكمة:
((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60).)) .. الأَزهري: بَرِحَ الرجلُ يَبْرَحُ بَراحاً إِذا رامَ من موضعه. وما بَرِحَ يفعل كذا أَي ما زال، ولا أَبْرَحُ أَفعل ذاك أَي لا أَزال أَفعله .. بَرِحَ الخَفاء معناه زال الخَفاءُ، وقيل: معناه ظهر ما كان خافياً وانكشف، مأْخوذ من بَراحِ الأَرض، وهو البارز الظاهر، وقيل: معناه ظهر ما كنت أُخْفِي. وبَرَّحَ بنا فلان تَبْريحاً، وأَبْرَحَ، فهو مُبَرِّحٌ بنا ومُبْرِحٌ: آذانا بالإِلحاح، وفي التهذيب: آذاك بإِلحاح المشقة .. والبَرِيحُ: التَّعَبُ أَيضاً .. وبَرَّحَ اللهُ عنه أَي فَرَّج الله عنه .. والموضع مَجْمَعٌ ومَجْمِعٌ مثال مَطْلَعٍ ومَطْلِع، وقوم جَمِيعٌ: مُجْتَمِعون. والمَجْمَع: يكون اسماً للناس وللموضع الذي يجتمعون فيه. وفي الحديث: فضرب بيده مَجْمَعَ بين عُنُقي وكتفي أَي حيث يَجْتمِعان، وكذلك مَجْمَعُ البحرين مُلْتَقاهما. ويقال: أَدامَ اللهُ جُمْعةَ ما بينكما كما تقول أَدام الله أُلْفَةَ
ما بينكما .. مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ: مكان التقاء البحر والمحيط لم يحدده .. حتى يبقى سرا .. وحتى تكون العبرة من القصة وليس من المكان وإن كان بعض العلماء يميلون إلى أنه في موضع ما من نقاط التقاء المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط .. والله أعلم .. ((أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)): الحُقْبُ ثمانُون سنةً .. قال الأَزهري: وجاء في التفسير: أَنه ثمانون سنة، فالحُقُب على تفسير ثعلب، يكون أَقَلَّ من ثمانين سنة، لأَنّ موسى، عليه