السلام، لم يَنْوِ أَن يَسِيرَ ثَمانين سَنةً، ولا أَكثر، وذلك أَنّ بَقِيَّةَ عُمُرِه في ذلك الوَقْت لا تَحْتَمِلُ ذلك؛ والجمع من كل ذلك أَحْقابٌ وأَحْقُبٌ ..
((فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61).)) .. وسَرَب يَسْرُب سُرُوباً: خَرَجَ. وسَرَبَ في الأَرضِ يَسْرُبُ سُرُوباً: ذَهَبَ. . قال الأَزهري: تقول العرب: سَرَبَتِ الإِبلُ تَسْرُبُ، وسَرَبَ الفحل سُروباً أَي مَضَتْ في الأَرضِ ظاهرة حيثُ شاءَتْ. والسارِبُ: الذاهبُ على وجهِه في الأَرض .. الفراءُ في قوله تعالى: فاتخذَ سبيلَه في البحرِ سَرَباً؛ قال: كان الحُوت مالحاً، فلما حَيِيَ بالماءِ الذي أَصابَه من العَينِ فوقَع في البحرِ، جَمَد مَذْهَبُه في البحرِ، فكان كالسَّرَبِ، وقال أَبو إِسحق: كانت سمكةً مملوحةً، وكانت آيةً لموسى في الموضعِ الذي يَلْقَى الخَضِرَ، فاتخذ سبيلَه في البحر سَرَباً؛ أَحْيا اللّه السمكة حتى سَرَبَتْ في البحر .. قال: وسَرَباً منصوبٌ على جهتَين: على المفعولِ، كقولك اتخذْتُ طريقِي في السَّرَب، واتخذتُ طريقي مكانَ كذا وكذا، فيكون مفعولاً ثانياً، كقولك اتخذت زيداً وكيلاً؛ قال ويجوز أَن يكونَ سَرَباً مصدراً يَدُلُّ عليه اتخذ سبيلَه في البحر، فيكون المعنى: نَسِيَا حُوتَهما، فجَعَل الحوتُ طريقَه في البحر؛ ثم بَيَّن كيف ذلك، فكأَنه قال: سَرِبَ الحوتُ سَرَباً .. والسَّرَب: الطريقُ. والمخيم: اسم وادٍ؛ وعلى هذا معنى الآية: فاتخذ سبيلَه في البحر سَرَباً، أَي سبيل الحوت طريقاً لنفسِه، لا يَحِيدُ عنه. المعنى: اتخذ الحوتُ سبيلَه الذي سَلَكَه طريقاً طَرَقَه. قال أَبو حاتم: اتخذ طريقَه في البحر سَرباً، قال: أَظُنُّه يريد ذَهاباً كسَرِب سَرَباً، كقولك يَذهَب ذَهاباً. ابن الأَثير: وفي حديث الخضر وموسى، عليهما السلام: فكان للحوت سَرَباً؛ السَّرَب، بالتحريك: المَسْلَك في خُفْيةٍ ..
((فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62).)) .. النَّصَبُ: الإِعْياءُ من العَناءِ. والفعلُ نَصِبَ الرجلُ، بالكسر، نَصَباً: أَعْيا وتَعِبَ؛ وأَنْصَبه هو، وأَنْصَبَني هذا الأَمْرُ. وهَمٌّ ناصِبٌ مُنْصِبٌ: ذو نَصَبٍ، مثل تامِرٍ ولابِنٍ، وهو فاعلٌ بمعنى مفعول، لأَنه يُنْصَبُ فيه ويُتْعَبُ ..
((قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63).)) .. قال العلماء هي صخرة توجد بها عين يسيل منها يسمى ماء الحياة لا تصيب كائنا ميتا إلا عاد حيا .. فأصاب ماؤها السمك الميت والمجفف والمملح الذي كان مع فتى موسى .. فعادت إليه الحياة وسار السمك بقدرة الله إلى البحر فسلك فيه .. بينما بقي الفتى يراقب الوضع عن كثب وقد تملكه العجب .. فيما كان موسى عليه السلام يخلد إلى النوم .. ونسي الفتى أن يخبر موسى القصة العجيبة ..
((قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64).)) .. وقَصَّ آثارَهم يَقُصُّها قَصّاً وقَصَصاً وتَقَصّصَها: تتبّعها بالليل، وقيل: هو تتبع الأَثر أَيَّ وقت كان. قال تعالى: فارتدّا على آثارهما قَصصاً. وكذلك اقْتَصَّ أَثره وتَقَصّصَ، ومعنى فارتدّا على آثارهما قَصَصاً أَي رَجَعا من الطريق الذي سلكاه يَقُصّان الأَثر أَي يتّبعانه ..
((فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65).)) .. هو الخضر عليه السلام .. أعطاه الله العلم ببواطن الأشياء .. علم الشيء: أدركه بحقيقته وكنهه ..
((قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66).)) .. الرُّشْد والرَّشَد والرَّشاد: نقيض الغي رشد الإنسان بالفتح، يَرْشُد رُشْداً، بالضم، ورَشِد، بالكسر، يَرْشَد رَشَداً ورَشاداً، فهو
راشِد ورَشيد، وهو نقيض الضلال، إِذا أَصاب وجه الأَمر والطريق .. والمراشِدُ: مقاصِدُ الطرق. والطريقُ الأَرْشَد نحو الأَقصد ..
((قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68).)) .. والخابِرُ: المُخْتَبِرُ المُجَرِّبُ ورجل خابر وخَبِير: عالم بالخَبَرِ. والخَبِيرُ: المُخْبِرُ؛ وقال أَبو حنيفة في وصف شجر: أَخْبَرَني بذلك الخَبِرُ، فجاء به على مثال فَعِلٍ؛ قال ابن سيده: وهذا لا يكاد يعرف إِلاَّ أَن يكون على النسب. وأَخْبَرَهُ خُبُورَهُ: أَنْبأَهُ ما عنده .. والخِبْرُ والخُبْرُ والخِبْرَةُ والخُبْرَةُ والمَخْبَرَةُ والمَخْبُرَةُ، كله: العِلْمُ بالشيء ..
((قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) ... )). أي حتى أشرحه لك سببا ومسبب .. قال العلماء لو صبر موسى لرأىلعجب من الخضر .. ولكن ما شاء الله كان ..