قد علمنا أهل الكهف حيث سنأتي على قصتهم بالتفصيل إن شاء الله تعالى .. ولكن من هم أصحاب الرقيم؟ ..
وقال الزجاج: قيل الرَّقِيمُ اسم الجبل الذي كان فيه الكهف، وقيل: اسم القرية التي كانوا فيها، والله أعلم. وقال الفراء: الرّقِيمُ لوحُ رَصاصٍ كتبت فيه أَسماؤهم وأَنسابهم وقصصهم ومِمَّ فَرُّوا؛ وسأَل ابن عباس كعباً عن الرَّقِيم فقال: هي القرية التي خرجوا منها، وقيل: الرَّقِيمُ الكتاب ..
وجاء في صحيح البخاري عن أصحاب الرقيم:
حدثنا إسماعيل بن خليل: أخبرنا علي بن مسهر، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء، لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز، فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا، وأنه أتاني يطب أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق، فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساحت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم: كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، من أحب الناس إلي، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا).
((أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9).)) .. وقد قيل إن الرقيم هو بأَرض ((أيلة)) ..
والمعنى أن الأدلة التي تثبت وجود الله واحد لا شريك له .. لا تدعو للعجب .. ولا للإنكار .. لأن تلك الأدلة تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الله على كل شيء قدير .. وتنفي هنه الشريك والولد والشبيه والنظير .. وتنزهه تعالى عن كل نقصان .. وبالتالي نتقبل الأدلة بكل وعي واقتناع لا عن رفض مسبق وحكم كاسح .. ((أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9).)) .. العُجْبُ والعَجَبُ: إِنكارُ ما يَرِدُ عليك لقِلَّةِ عْتِيادِه؛ وجمعُ العَجَبِ: أَعْجابٌ .. لا داعي للتنكر والتهرب .. فالله هو الخالق وهو القادر على كل شيء والمحيط بكل شيء وبكل زمان ومكان .. وما تعيشونه زمن نسبي في امتحان مؤطر مكانا وزمانا لا تستطيعون منه فكاكا إلى أجل معين وامتحان تحاسبون عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر .. ولكن من هم الآن أصحاب الكهف وما قصتهم؟ ..
((إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) .. )) ..
وقعت القصة في عهد ملك طاغية يدعى دقيانوس .. وكان من عبدة الأصنام .. فقتل المؤمنين من أتباع المسيحية الخالصة أي دين التوحيد قبل تحريفه .. وكان فتية من علية القوم .. هربوا إلى كهف في أرض الروم .. هربوا بدينهم .. وخوفا من انتقام الملك الكافر وأتباعه .. وتوكلوا على الله الواحد الذي لا شريك له وفوضوا إليه أمرهم .. ((رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)): الرَّحْمة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ مثله، وقد رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عليه. وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بعضهم بعضاً. والرَّحْمَةُ: المغفرة .. فهم قد أمنوا .. وتوكلوا .. وفوضوا الأمر لله من قبل ومن بعده .. وذلك حال المؤمن في كل مكان وزمان .. لا يجزع ولا يقنط من رحمة الله .. ((وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)) .. الرُّشْد والرَّشَد والرَّشاد: نقيض الغي , رشد الإنسان بالفتح، يَرْشُد رُشْداً، بالضم، ورَشِد، بالكسر، يَرْشَد رَشَداً ورَشاداً، فهو راشِد ورَشيد، وهو نقيض الضلال، إِذا أَصاب وجه الأَمر والطريق ..