والكتاب هو القرآن الكريم مائدة الله في الأرض ومنهجه الذي ارتضى لعباده .. والذي لا تنقضي عجائبه إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. ((قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3).)) .. والقيم هنا بمعنى العدل والإعتدال .. أي إن منهج الله مستقيم واضح متسق الأبعاد ينذر الكافرين بعقاب شديد .. ويبشر المؤمنين .. أجر الكافرين على الدوام في العذاب ((مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا)) .. وأجر المؤمنين على الدوام في النعيم ((مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا)) .. والمُكْثُ: الإِقامةُ مع الانتظار والتَّلَبُّث في المكان .. والمَكيثُ أَيضاً: المُقيم الثابت ..
((وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4).)) .. كل قوم نسبوا لله الولد .. مع انه الله الخالق العظيم الذي ليس كمثله شيء .. خلق الإنسان والكون والحياة من عدم .. وبالتالي فإن كل قوم نسبوا لله الولد سواء كانوا من جهال العرب الذين نسبوا له الملائكة بناتا أو اليهود الذين قالوا إن عزيرا ابن الله أو المسيحيين الذين نسبوا له عيسى أو غيرهم كلهم يندرجون تحت طائلة الإنذار الوارد في الآية الكريمة تنبيها لهم حتى يتأكدوا أن الله واحد لا شريك له .. وأنه من الخطإ الجسيم أن ننسب لخالقنا الرحمن الرحيم شيئا من ذلك تعالى الله عن ذلك علوا عظيما ..
((مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (5).)) .. علم الشيء علم أدركه بحقيقته وكنهه .. وبالتالي نفا عنهم صفة العلم الذي يدرك أبعاد الألوهية الربوبية على حقيقتها من حيث إنها تفرد ووحدانية أو لا تكون .. ومن ثم فقد وقعوا في فخ التقليد للموروث دون إعمال عقل ودون اتباع للحق المبين ..
((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6).)) .. بخَعَ نفْسَه يَبْخَعُها بَخْعاً وبُخوعاً: قتلَها غيْظا ًأَو غَمّاً. وفي التنزيل: فلعلَّك باخعٌ نفْسَك على آثارِهم؛ قال الفرّاء: أَي مُخْرِجٌ نفسَك وقاتلٌ نفسَك .. قال الأَخفش: يقال بَخَعْتُ لك نفْسي ونُصْحِي أَي جَهَدْتها أَبْخَعُ بُخوعاً. وفي حديث عائشة، رضي الله عنها، أَنها ذكرت عمر، رضي الله عنه، فقالت: بَخَعَ الأَرضَ فقاءتْ أُكُلَها أَي قَهر أَهلَها وأَذلَّهم واستخرَج ما فيها من الكُنوز وأَموال المُلوك. وبَخَعْتُ الأَرضَ بالزِّراعةِ أَبْخَعُها إِذا نَهَكْتُهَا وتابَعْت حِراثَتها ولم تُجِمَّها عاماً. وبخَع الوَجْدُ نفسَه إِذا نَهَكَها ..
والمعنى: لا تحزن عليهم وقم بمهمة الإبلاغ ولا تهتم بعد ذلك .. نهاه عن الحزن .. لأن الحزن مهلكة .. والحزن لا يتفق مع الرسالة التي هي أمانة بيان وبلاغ حتى تتضح الحقيقة التي لا تمارى ويتولى الله أمر الناس في إيمانهم وكفرهم ونياتهم ..
((إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7).)) .. بَلَوْتُ الرجلَ بَلْواً وبَلاءً وابْتَلَيْته: اخْتَبَرْته، وبَلاهُ يَبْلُوه بَلْواً إذا جَرَّبَه واخْتَبَره .. وابْتَلاه الله: امْتَحَنَه، والاسم البَلْوَى والبِلْوَةُ والبِلْيَةُ والبَلِيَّةُ والبَلاءُ، وبُلِيَ بالشيء بَلاءً وابْتُلِيَ؛ والبَلاءُ يكون في الخير والشر. يقال: ابْتَلَيته بلاءً
حسناً وبَلاءً سيِّئاً، والله تعالى يُبْلي العبدَ بَلاءً حسناً ويُبْلِيه بلاءً سيِّئاً، نسأَل الله تعالى العفو والعافية، والجمع البَلايا ..
((وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8).)) .. والصعيدُ: المرتفعُ من الأَرض، وقيل: الأَرض المرتفعة من الأَرض المنخفضةِ، وقيل: ما لم يخالطه رمل ولا سَبَخَةٌ .. وأَرض مَجْرُوزَةٌ وجُرُزٌ وجُرْزٌ وجَزْرٌ: لا تنبت كأَنها تأْكل النبت أَكلاً، وقيل: هي التي قد أُكل نباتها، وقيل: هي الأَرض التي لم يصبها
مطر .. قال الفراء: الجُرُزُ أَن تكون الأَرضُ لا نبات فيها ..
إشارة إلى حال الأَرض يوم القيامة حيث تختفي جميع مرتفعاتها وتصبح مستوية لاشيء عليها .. وفي ذلك بيان إلى قدرة الله الخلاق العليم القوي المتين القادر على كل شيء والذي لم يقدره الناس حق قدره فنسبوا له الولد والنقصان .. وهو الكمال المطلق .. وبالتالي نفهم سر الالتفات إلى الزمن القبلي لبيان قدرة الله على الإحياء والإماتة دحضا لحجة كل محتج ينسب لله الولد والشريك والله واحد لا يشارك في ذاته ولا في ملكه ولا في صفاته ..
((أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9).)) ..