((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) ... )).
صدق الله العظيم
(سورة الكهف)
* التحليل:
يتأمل الإنسان الكون والحياة .. ويتأمل نفسه .. ويتأمل محيطه بعين الواعي المسئول .. بعين الحكمة والتجرد .. بعين التفكر والإعتبار .. ولا يلبث أن يتأكد بالحجة والدليل المادي الملموس أنه مخلوق .. وأن وراء المخلوق خالقا .. ووراء الإنسان والكون والحياة خالقا مبدعا اسمه الله العلي الكريم .. أوجده وأوجد كل شيء من عدم .. فكان كل شيء على أحسن ما يكون كما أراد الله الخالق البارئ المصور .. الله الذي لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يصفون .. ويحس الإنسان بمدى وبأهمية وقيمة تلك النعم التي لا تقدر بثمن والتي وهبها الله بلا مقابل .. ولم يرد منه شيئا سوى الإقرار .. الإقرار بوحدانيته سبحانه وتعالى .. والاعتراف بأنه واحد لا شريك له .. والإقرار يوجب الاعتراف .. والاعتراف يوجب العبادة والعبادة تستوجب الاستقامة على نهج الهدى والصدق والأمن والأمانة نهج الله عز وجل القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. والحمد يتأتى أولا وآخرا من خلال التأمل والتفكير الاعتبار كما أسلفنا .. خاصة عندما تتجلى الحقائق .. من خلال البحث والتقصي .. من خلال الأدلة المادية التي تترى بلا انتهاء في أعاجيب جعلها الله سبحانه وتعالى دليلا لا يرقى إليه شك على أنه واحد وعلى أنه موجود في كل زمان ومكان لأنه خلق المكان والزمان وهو خارج عنهما .. ولا يتحدد بهما .. لأنه متمكن منهما وينهيهما متى شاء .. وبالطريقة التي يشاء .. ولما تتجلى الحقائق ويندرج المؤمن ضمنها وعيا وحبا في الله سبحانه وتعالى وتعلقا به .. ولما تتبدى روائع القرآن الكريم حبا وأملا وتواصلا .. يرى المؤمن ويا لروعة ما يرى جمال الحقيقة .. ويجد حلاوة الإيمان .. فيغوص في بحار القرآن الكريم لا يبغي عنها حولا .. بحثا عن بلسم شاف .. يكفل له التوازن النفسي والفكري والجسدي والسعادة للدارين فلا يجدها إلا في تضاعيف القرآن الكريم .. ويدلف العالم النوراني للحقيقة .. لهدية الرحمان .. فيزداد حبا لله .. وحمدا له بلا انتهاء:
((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1).)) ..
قال الأَزهري: الشكر لا يكون إِلا ثناء ليد أَوليتها، والحمد قد يكون شكراً للصنيعة ويكون ابتداء
للثناء على الرجل، فحمدُ الله الثناءُ عليه ويكون شكراً لنعمه التي شملت الكل، والحمد أَعم من الشكر ..
والعِوَجُ، بكسر العين، في الدِّين، تقول: في دينه عِوَجٌ؛ وفيما كان التَّعْويجُ يكثُرُ مِثْل الأَرض والمَعاش. وفي التنزيل: الحمد لله الذي أَنزل على عبده الكتاب لم يجعل له عِوَجاً قَيِّماً؛ قال الفراء: معناه الحمد لله الذي أَنزل على عبده الكتاب قَيِّماً ولم يجعل له عِوَجاً، وفيه تأْخير أُريد به التقديم. وعِوَجُ الطريق وعَوَجُه: زَيْغُه. وعِوَجُ الدِّين والخُلُق: فساده ومَيْلُه على المَثل، والفِعْلُ من كل ذلك عَوِجَ عَوَجاً وعِوَجاً واعْوَجَّ وانْعاجَ، وهو أَعْوَجُ، لكل مَرْئيٍّ ..