قال عمرابن الخطاب لما نزلت هذه الآية: انتهينا .. انتهينا .. وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناديه فنادى في الناس بتحريم الخمرة .. وأفرغ الناس أوانيهم حتى امتلأت سكك المدينة .. وفي ذلك عبرة للناس في كل مكان وزمان بأن المهم في السمع والطاعة .. وليس في العناد وسوء تأويل الكلام .. فالتحريم واضح لا لبس فيه ولا التباس للخمر والميسر ..
جاء في صحيح مسلم في تحريم الخمرة بناء على الآية السالفة الذكر:
حدثنا عبيدالله بن عمر القواريري. حدثنا عبدالأعلى ابن عبدالأعلى أبو همام. حدثنا سعيد الجريري عن أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري. قال: سمعت رسول الله صلى الله وآله عليه وسلم يخطب بالمدينة قال (يا أيها الناس! إن الله تعالى يعرض بالخمر. ولعل الله سينزل فيها أمرا. فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به). قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله تعالى حرم الخمر , فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع). قال: فاستقبل الناس بما كان عنده منها. في طريق المدينة، فسفكوها.
وفي صحيح مسلم أيضا:
حدثنا سويد بن سعيد. حدثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، عن عبدالرحمن ابن وعلة (رجل من أهل مصر)؛ أنه جاء عبدالله بن عباس. ح وحدثنا أبو الطاهر (واللفظ له). أخبرنا ابن وهب. أخبرني مالك بن أنس وغيره عن زيد بن أسلم، عن عبدالرحمن بن وعلة السبأي (من أهل مصر)؛ أنه سأل عبدالله بن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راوية خمر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هل علمت أن الله قد حرمها؟) قال: لا. فسار إنسانا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بم ساررته؟) فقال: أمرته ببيعها. فقال (إن الذي حرم شربها حرم بيعها). ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها. ش (راوية خمر) أي قربة ممتلئة خمرا.
حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم (قال زهير: حدثنا. وقال إسحاق: أخبرنا جرير) عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة. قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة. خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقترأهن على الناس. ثم نهى عن التجارة في الخمر ..
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم (واللفظ لأبي كريب) (قال إسحاق: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية) عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة. قالت:
لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة، في الربا، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد، فحرم التجارة في الخمر ..
((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (92).)) .. الْبَلاَغُ الْمُبِينُ: أبان الشيء: اتضح فهو مبين ..
((لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93).)) ..
جاء في صحيح البخاري في تفسير الآية السالفة البيان ما يلي:
حدثنا أبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه: أن الخمر التي أهريقت الفضيخ. وزادني محمد، عن أبي النعمان قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا فنادى، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة. قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ... )) ..
والمعنى أن الله عفا عما سلف .. وبداية الحساب على التحريم من تاريخ نزول التحريم وليس قبله .. والعبرة بالسمع والطاعة لله ورسوله .. وتنفيذ محتوى القرآن تنفيذا واعيا صحيحا ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا ..