تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا: والهِجْرَةُ والهُجْرَةُ: الخروج من أَرض إِلى أَرض. والمُهاجِرُونَ: الذين ذهبوا مع النبي، صلي الله عليه وسلم، مشتق منه. وتَهَجَّرَ فلان أَي تشبه بالمهاجرين. وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: هاجِرُوا ولا تَهَجَّروا؛ قال أَبو عبيد: يقول أَخْلِصُوا الهِجْرَةَ لله ولا تَشَبَّهُوا بالمهاجِرِينَ على غير صحة منكم، فهذا هو التَّهَجُّر، وهو كقولك فلان يَتَحَلَّم وليس بحليم ويَتَشَجَّع أَي أَنه يظهر ذلك وليس فيه. قال الأَزهري: وأَصل المُهاجَرَةِ عند العرب خروجُ البَدَوِيّ من باديته إِلى المُدنِ؛ يقال: هاجَرَ الرجلُ إِذا فعل ذلك؛ وكذلك كل مُخْلٍ بِمَسْكَنِه مُنْتَقِلٍ إِلى قوم آخرين بِسُكناهُ، فقد هاجَرَ قومَه. وسمي المهاجرون مهاجرين لأَنهم تركوا ديارهم ومساكنهم التي نَشَؤُوا بها لله، ولَحِقُوا بدار ليس لهم بها أَهل ولا مال حين هاجروا إِلى المدينة؛ فكل من فارق بلده من بَدَوِيٍّ أَو حَضَرِيٍّ أَو سكن بلداً آخر، فهو مُهاجِرٌ، والاسم منه الهِجْرة. قال الله عز وجل: ومن يُهاجِرْ في سبيل الله يَجِدْ في الأَرض مُراغَماً كثيراً وسَعَةً. وكل من أَقام من البوادي بِمَنادِيهم ومَحاضِرِهم في القَيْظِ ولم يَلْحَقُوا بالنبي، صلي الله عليه وآله وسلم، ولم يتحوّلوا إِلى أَمصار المسلمين التي أُحدثت في الإِسلام وإِن كانوا مسلمين، فهم غير مهاجرين، وليس لهم في الفَيْءِ نصيب ويُسَمَّوْنَ الأَعراب .. فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ: والمأْوَى: المنزلُ .. والمَأْوى والمَأْواة: المكانُ، وهو المأْوِي. قال الجوهري: المَأْوَى كل مكان يأْوي إِليه شيء ليلاً أَو نهاراً ..
((إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98).)) .. الكسائي: يقال لا حَوْل ولا قُوَّة إِلا بالله ولا حَيْلَ ولا قُوَّة إِلا بالله، وورد ذلك في الحديث: لا حَوْلَ ولا قوة إِلا بالله، وفُسِّر بذلك المعنى: لا حركة ولا قُوَّة إِلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: الحَوْل الحِيلة، قال ابن الأَثير: والأَول أَشبه؛ ومنه الحديث: اللهم بك أَصُول وبك أَحُول أَي أَتحرك، وقيل أَحتال، وقيل أَدفع وأَمنع، من حالَ بين الشيئين إِذا منع أَحدهما من الآخر. وفي حديث آخر: بك أُصاوِل وبك أُحاوِل، هو من المُفاعلة، وقيل: المُحاولة طلب الشيء بحِيلة ..
((فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99).)) .. وحكى الأَزهري عن الليث: عَسَى تَجْرِي مَجْرى لعلَّ، تقول عَسَيْتَ وعَسَيْتُما وعَسَيْتُمْ وعَسَتِ المرأَة وعَسَتا وعَسَيْنَ؛ يُتَكلَّم بها على فعلٍ ماضٍ وأُمِيتَ ما سواه من وجوهِ فِعْلِهِ، لا يقالُ يَعْسى ولا مفعولَ له ولا فاعلَ. وعَسَى، في القرآنِ من اللهِ جَلَّ ثَناؤُه، واجبٌ وهو مِنَ العِبادِ ظَنٌّ، كقوله تعالى: عَسى اللهُ أَن يأْتي بالفتح، وقد أَتى اللهُ به؛ قال الجوهري: إلا في قوله عَسى ربُّه ان طَلَّقَكُن َّأَن يُبْدِلَه؛ قال أَبو عبيدة: عَسى من الله إيجابٌ فجاءَت على إحْدى اللغتين لأَن عسى في كلامهم رجاءٌ ويَقِين؛ قال ابن سيده: وقيل عسى كلمة تكون للشَّك واليَقينِ؛ قال الأزهري: وقد قال ابن مقبل فجعله يَقِيناً ..
((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100).)) .. يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً: ورَغِمَ أنفي لله رَغْماً ورَغَمَ يَرْغَمُ ويَرْغُمُ ورَغُمَ؛ الأخيرة عن الهجري، كله: ذلَّ عن كُرْهٍ، وأرغَمَه الذُّلُّ. وفي الحديث: إذا صلى أحدكم فليُلْزِمْ جبهته وأَنفه الأرض حتى يخرج منه الرَّغْمُ؛ معناه حتى يخضع ويَذِلَّ ويخرج منه كِبْرُ الشيطان، وتقول: فعلت ذلك على الرَّغم من أنفه. ورَغَمَ فلان، بالفتح، إذا لم يقدر على الانتصاف، وهو يَرْغَمُ رَغْماً، وبهذا المعنى رَغِمَ أنفُه. والمَرْغَمُ والمَرْغِمُ: الأنف، وهو المَرْسِنُ والمَخْطِمُ والمَعْطِسُ .. وفي الحديث: أنه، عليه السلام، قال: رَغِمَ أَنفُه ثلاثاً، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: من أَدرك أَبويه أَو أَحدهما حيّاً ولم يدخل الجنة. يقال: أَرْغَم الله أَنْفَه أي أَلزقه بالرَّغام، وهو التراب؛ هذا هو الأصل، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كُرْهٍ. وفي الحديث: وإن رَغِمَ أنف أبي الدَّرْداء أي وإن ذَلَّ، وقيل: وإن كَره. وفي حديث سجدتي السهو: كانتا تَرْغيماً للشيطان. وفي حديث أسماء: إن أُمِّي قدِمتْ عليَّ راغِمَةً مشركة أفَأَصِلُها؟ قال: نعم؛ لما كان العاجز الذليل لا يخلو من غضب، قالوا: تَرَغَّمَ إذا غضب، وراغِمةً أي غاضبة، تريد أنها قدِمَتْ عليَّ غَضْبَى لإسلامي وهجرتي متسخطة لأمري أو كارهة مجيئها إليَّ لولا مَسِيسُ الحاجة، وقيل: هاربة من قومها من قوله تعالى: يَجِدْ في الأرض مُراغَماً كثيراً؛ أي مَهْرباً ومُتَّسَعاً؛ ومنه الحديث: إن السِّقْطَ ليُراغِمُ ربه إن أَدخل أَبويه النار أي يغاضبه ..
وجاء في صحيح البخاري: