((فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36).)) .. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ: علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: إدراك الشيء بحقيقته وكنهه ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني سعيد ابن المسيب قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان، غير مريم وابنها). ثم يقول أبو هريرة: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37).)) .. والكافِل: العائِل، كَفَله يَكْفُله وكَفَّله إِيّاه. وفي التنزيل العزيز: وكَفَلَها زكريا؛ وقد قرئت بالتثقيل ونصب زكريّا، وذكر الأَخفش أَنه قرئ: وكَفِلَها زكريا، بكسر الفاء. وفي الحديث: أَنه وكافل اليتيم كهاتَيْن في الجنة له ولغيره؛ والكافِل: القائم بأَمر اليتيم المربِّي له، وهو من الكفيل الضمين، والضمير في له ولغيره راجع إِلى الكافِل أَي أَن اليتيم سواء كان الكافِل من ذَوِي رحمه وأَنسابه أَو كان أَجنبيّاً لغيره تكفَّل به، وقوله كهاتين إِشارة إِلى إِصبعيه السبَّابة والوسطى؛ ومنه الحديث: الرَّابُّ كافِلٌ؛ الرَّابُّ: زوج أُمِّ اليتيم لأَنه يكفُل تربيته ويقوم بأَمره مع أُمه. وفي حديث وَفْد هَوازِن: وأَنت خير المَكْفُولين، يعني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أَي خير من كفل في صغره وأُرْضِعَ ورُبِّيَ حتى نشأَ، وكان مُسْتَرْضَعاً في بني سعد بن بكر. والكافِل والكَفِيل: الضامن، والأُنثى كَفِيل أَيضاً، وجمع الكافِل كُفَّل، وجمع الكَفيل كُفَلاء، وقد يقال للجمع كَفِيل كما قيل في الجمع صَدِيق. وكَفَّلها زكريا، أَي ضمَّنها إِياه حتى تكفَّل بحضانتها، ومن قرأَ: وكَفَلَها زكريا، فالمعنى ضمِن القيام بأَمرها ..
جاء في صحيح البخاري:
وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده). يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط.
تابعه ابن أخي الزهري وإسحاق الكلبي، عن الزهري.
وجاء في صحيح البخاري أيضا:
حدثنا آدم: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت مرة الهمذاني يحدث: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء: إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون) ..
((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)): قال: والمِحْرابُ عند العامة: الذي يُقِيمُه النّاس اليَوْمَ مَقام الإِمامِ في المَسْجد، وقال الزجاج في قوله تعالى: وهل أَتاكَ نبَأُ الخَصْمِ إِذ ْتَسَوَّروا المِحْرابِ؛ قال: المِحْرابُ أَرْفَعُ بَيْتٍ في الدَّارِ، وأَرْفَعُ مَكانٍ في المَسْجِد. قال: والمِحْرابُ ههنا كالغُرْفةِ، وأَنشد بيت وضَّاحِ اليَمَنِ. وفي الحديث: أَنّ النبيّ، صلى اللّه عليه وآله وسلم، بَعَثَ عُروة بن مَسْعودٍ، رضي اللّه عنه، إِلى قومِه بالطَّائِف، فأَتاهم ودَخَل مِحْراباً له، فأَشْرَفَ عليهم عندَ الفَجْر، ثم أَذَّن للصَّلاةِ. قال: وهذا يدل على أَنه غُرْفةٌ يُرْتَقَى إِليها. والمَحارِيب: صُدُور المَجالِس، ومنه سُمّي مِحْرابُ المَسْجِد، ومنه مَحارِيبُ غُمْدانَ باليَمَنِ. والمِحْرابُ: القِبْلةُ. ومِحْرابُ المَسْجِد أَيضاً: صَدْرُه وأَشْرَفُ موضع فيه. ومَحارِيبُ بني إِسرائيلَ: مَسَاجِدُهم التي كانوا يَجلسون فيها؛ وفي التهذيب: التي يَجْتَمِعُون فيها للصلاة .. وقولُ الأَعشى: وَتَرَى مَجْلِساً، يَغَصُّ به المِحْرابُ، مِلْقَوْمِ، والثِّيابُ رِقاقُ قال: أُراهُ يعني المَجْلِسَ. وقال الأَزهري: أَراد مِنَ القوم. وفي حديث أَنس، رضي اللّه عنه، أَنه كان يَكْرَه المَحارِيبَ، أَي لم يكن يُحِبُّ أَن يَجْلِسَ في صَدْرِ المَجْلِس، ويَترَفَّعَ على الناسِ. والمَحارِيبُ: جمع مِحْرابٍ. وقول الشاعر في صفة أَسد: وَما مُغِبٌّ، بِثِنْيِ