تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا أَرَدْت أَنَّك تُلْقِيه فيها إلْقاء ًكأَنَّكَ تُريدُ الإحْراقَ قلتَ أَصْلَيْته، بالأَلف، إصْلاءً، وكذلك

صَلَّيْتُه أُصَلِّيه تَصْلِيةً. التهذيب: صَلَيْتُ اللَّحْمَ، بالتَّخفيفِ، على وَجْهِ الصَلاح معناه شَوَيْته، فأَمَّا إذا أَحْرَقْتَه وأَبْقَيْتَه في النارِ قُلْتَ صَلِّيْته، بالتشديد، وأَصْلَيْته. وصَلَى اللحْمَ في النار وأَصْلاه وصَلاَّهُ:

أَلْقاهُ لِلإحْراقِ ..

((كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21).)) .. دائما الحديث على وجه الزجر والردع والتنبيه حتى ينتبه كل غافل .. من هم الأبرار؟ .. البِرُّ: الصِّدْقُ والطاعةُ وقل العلماء الصلاح والخير .. ويقال: فلانٌ يَبَرُّ رَبَّهُ أَي يطيعه؛ ورجلٌ بَرٌّ بذي قرابته وبارٌّ من قوم بَرَرَةٍ وأَبْرَارٍ، والمصدر البِرُّ .. ولكن مَا عِلِّيُّونَ (19)؟ .. لم يكن العرب يعرفون البناءات المرتفعة .. ولذلك فهم يعبرون عن تكرار الشيء بالواو والنون .. العلو .. الذي يليه العلو .. العلو الذي لا حد له ارتفاعا هو عندهم عليون مبالغة في المضاعفة والإرتفاع .. ((كِتَابٌ مَرْقُومٌ)) .. الترقيم هنا ليس كترقيم أهل العذاب .. إنه ترقيم أهل النعيم .. فهم شيء مضبوط ومرقم ((يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21).)) .. من ملائكة الله عليهم السلام في السماوات العلا .. ويعرفون بالتالي أسماء وأرقام أهل النار وأهل الجنة .. أهل العذاب وأهل النعيم .. فالمسألة مضبوطة وهي جد في جد .. وهو امتحان يتناسى الإنسان السادر في غيه عواقبه .. ولذلك جاءت السورة الكريمة ردعا من وراء ردع .. وزجرا من وراء زجر لإيقاظ الإنسان من الغفلة والنسيان قبل فوات الأوان .. حتى يدرك كل فرد إلى قيام الساعة أن يوم القيامة حق .. وأن الجنة حق وأن النار حق .. فماذا أعد الله الرحمن الرحيم من ضروب النعيم وشكوله وطعومه؟ .. الجواب يأتي فورا في تضاعيف السورة ((المطففين)) المباركة: ((إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28).)) .. فما الرحيق المختوم؟ ..

الرَّحِيقُ: من أَسماء الخمر معروف؛ قال ابن سيده: وهو من أَعْتَقِها وأَفضَلها، وقيل: الرَّحِيقُ صَفُوة الخمر. وقال الزجاج في قوله تعالى: من رَحِيق مختوم، قال: الرَّحِيق الشراب الذي لا غِشّ فيه، وقيل: الرَّحِيقُ السَّهل من الخمر. والرَّحِيقُ والرُّحاقُ: الصافي ولا فعل له. قال أَبو عبيد: من أَسماء الخمر الرحيقُ والرّاحُ. وفي الحديث: أَيُّما مؤمِنٍ سقَى مؤمناً على ظَمَإٍ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المَخْتوم؛ الرحيقُ: من أَسماء الخمر يريد خمر الجنة، والمختومُ: المَصُونُ الذي لم يُبتذَل لأَجل خِتامه.

وتَسْنيمٌ: عَيْنٌ في الجنة زعموا، وهذا يوجب أَن تكون معرفة ولو كانت معرفة لم تُصْرَف. قال الزجّاج في قوله تعالى: ومِزاجُه من تَسْنِيمٍ؛ أَي مِزاجُه من ماء مُتَسَنِّمٍ عَيْناً تأْتيهم من عُلْوٍ تَتَسَنَّم عليهم من الغُرَف ..

وعندما يتبين للمؤمن كل هذه الخيرات التي أعدها الله عز وجل الصادق الوعد لمن آمن يبذل قصارى الجهد للتوبة والأوبة والعبادة وطاعة الله .. والبذل والعطاء والكرم .. حتى يفوز بقصب السبق في هذا النعيم الذي أعده الله جاهزا مرقما لا يمسه إلا أهله ومن أعده لهم بأسمائهم وبأفعالهم وبما قدموا في الحياة الدنيا .. فكيف لا يتنافس الناس في هذا الفضل؟ .. وكيف لا يبذلون الغالي والنفيس للفوز بقسط منه في الحياة الآخرة الباقية؟ .. ((وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) .. )) .. إنه السباق ونعم السباق وأنعم به وأكرم من أجر .. ولكن ماذا أعد الله العزيز الجبار لمن كذب بهذا وجحد وسخر من المؤمنين ورفض الطاعة والعبادة وعصى الله فيما أمر ونهى؟ .. وما صفات المنكرين الذين حرمهم الله من متع الآخرة التي لا نفد لها؟ ..

((إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) .. )) .. صفة ملازمة للكفر وأهله وللنفاق وأهله أنهم يضحكون من أهل الإيمان .. ربما استخفافا .. وربما لأنهم فقراء .. وربما لأنهم لا ينحازون إليهم .. ولا يطيعون في الهوى والمصلحة .. وربما لأنهم استقاموا على الطريقة وعيا وحبا لله .. ((يَضْحَكُونَ (29) .. )) .. إ الضحك الذي يتخذه المجرمون سلاحا لمحاربة المؤمنين قد ينقلب عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور .. نتيجة استخفافهم وعصيانهم .. ولكن الكافرين يتمادون في غيهم وصلفهم وظلمهم .. ويزداد المؤمن صبرا .. ومصابرة وتجاهلا لهم .. ((وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) .. )) .. يتبادل

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٥٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٥٧٤