تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) ... )) .. قال الفراء: طوى: واد بين المدينة ومصر وطُوًى وطِوًى جَبَلٌ بالشام، وقيل: هو وادٍ في أَصلِ الطُّورِ. وفي التنزيل العزيز: إنك بالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى؛ قال أَبو إِسحق: طُوًى اسمُ الوادي، ويجوز فيه أَربعة أَوجه: طُوَى،

بضم الطاء بغير تنوين وبتنوين، فمن نَوَّنه فهو اسم للوادي أَو الجَبَل، طُوًى؛ أَي طُوِيَ مرتين أَي قُدِّسَ، وقال الحسن: ثُنِيَتْ فيه البَرَكة والتَّقْدِيسُ مرتين. وذو طُوًى، مقصور: وادٍ بمكة، وكان في كتاب أَبي زيد ممدوداً، والمعروف أَن ذا طُوًى مقصور وادٍ بمكة. وذو طُواءٍ، ممدود: موضع بطريق الطائفِ، وقيل: وادٍ. قال ابن الأَثير: وذو طُوًى، بضم الطاء وفتح الواو المخففة، موضع عند باب مكة يُسْتحب لمن دخل مكة أَن يَغْتَسِلَ به ..

لقد ربط الله الصلة بين ما ساقه لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الحديث لبعض مهام الملائكة ويوم البعث والجزاء الذي لاشك فيه إطلاقا .. وبين رسالة موسى تثبيتا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وتهوينا له مصاعب الرسالة وأمانة الحياة .. وتوحيدا للدين – الإسلام الخالص - الذي ينبع من مشكاة واحدة دين التوحيد الخالص والعدل والإعتدال .. والمحبة والرحمة والتواصل بين الأجيال والمجتمعات والكون والحياة والدنيا والآخرة ورفعا للبس والالتباس لما قد يكون علق بالأذهان من خلط بين الرسالات أو التكاليف العامة .. فماذا كانت مهمة موسى عليه السلام؟ ..

((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) ... )) .. طَغَى يَطْغى طَغْياً ويَطْغُو طُغْياناً جاوَزَ القَدْرَ وارتفع وغَلا في الكُفْرِ. وفي حديث وَهْبٍ: إِنَّ لِلْعِلْم طُغْياناً كطُغْيانِ المَالِ أَي يَحْمِل صاحِبَه على التَّرَخُّص بما اشْتَبَه منه إِلى ما لا يَحِلُّ له، ويَتَرَفَّع به على مَنْ دُونَه، ولا يُعْطي حَقَّه بالعَمَلِ به كما يَفْعَلُ رَبُّ المالِ. وكلُّ مجاوز حدَّه في العِصْيانِ طَاغٍ .. هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى أَبو زيد النحوي في قوله عز وجل: ولولا فضل الله عليكم ورحمتُه ما زكا منكم من أَحد أَبداً ولكن الله يُزَكِّي من يشاء؛ وقرئ ما زَكَّى منكم، فمن قرأَ ما زكا فمعناه ما صلح منكم، ومن قرأَ ما زَكَّى فمعناه ما أَصلح، ولكن الله يُزَكِّي من يشاء أَي يُصلح، قال: وأَصل الزكاة في اللغة الطهارة والنَّماء والبَركةُ والمَدْح وكله قد استعمل في القرآن والحديث، ووزنها فَعَلةٌ كالصَّدَقة، فلما تحرَّكت الواو وانفتحُ ما قبلها انقلبت أَلفاً، وهي من الأَسماء المشتركة بين المُخْرَج والفعل الزَّكاةُ صفوةُ الشيء. وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) .. خشي الله: خافه وحذره .. ومخافة الله تكون بتوحيده وطاعته .. وتطبيق منهجه في الحياة الخاصة والعامة بكل عدل واعتدال ..

كانت المسالة في غاية الوضوح وبكل اتساق ودون لبس ولا التباس .. لا عنف لفظي ولا مادي ولا مغالاة .. بل بالكلمة الطيبة يكون التغيير .. بالإستقامة يكون التغيير .. بالقدوة الحسنة يكون التغيير .. بالتطبيق على الذات بكل وعي واتزان يكون التغيير .. كان سلاح موسى .. الكلمة .. الهداية .. هداه هداية أرشده .. ضد أضله .. الهداية الرشاد ضد الضلال .. لم يستعمل موسى مع فرعون السلاح .. بل استعمل معه منتهى التلطف والأدب .. وفي ذلك عبرة لكل داعية إلى قيام الساعة بضرورة أن يكون قدوة في كلامه وسلوكه .. بالحكمة والموعظة الحسنة واجتناب العنف اللفظي والمادي ..

أنت تقوم بواجبك في الدعوة وتطبق على ذاتك ومحيطك بالقدوة الحسنة .. النصر والتمكين ليس من خواصك .. إنه من خواص الله يأتيه متى يشاء ويفعله متى يشاء وأنى شاء مكانا وزمانا ومع من شاء من عباده إلى قيام الساعة .. أما العنف فلا وألف لا .. أما الإكراه .. فلا وألف لا .. وهذا ما فعله كل نبي وكل رسول وكل داعية وكل مجتمع استقام أمره من آدم عليه السلام إلى قيام ا لساعة؟ .. ترى ماذا فعل موسى مع فرعون الطاغية .. ؟ ((فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) ... )) .. لقد أعطى الله سبحانه وتعالى معجزة لموسى كدليل على صدقه وهذه المعجزة هي الدليل على وجود الله الواحد الذي لا شيك له .. وهي تتمثل في عصا موسى وفي يد موسى التي كان يخرجها من جيبه تشع نورا يبهر الأبصار .. وكان موسى أسمر البشرة .. ولكن فرعون لم يقتنع بمعجزة موسى وانطلق يدبر الأمر للتخلص من موسى ودعوته؟ .. لقد أدرك أن دعوة موسى جاءت لتنفي كفره أصلا .. ولتنفي حكمه أصلا ولتنفي

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٥٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٥٥٨