ظَنَنْتُ زيداً يقوم، والفاعل لا يكون إلا إسماً صريحاً محضاً، فَهُمْ على إمْحاضه إسماً أَشدُّ مُحافظة من جميع الأَسماء .. ((وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً)): وفي الحديث: اللهم اسقنا ذلل السحاب؛ هو الذي لا رعد فيه ولا بَرْق، وهو جمع ذَلُول من الذِّلّ، بالكسر، ضد الصعب؛ ومنه حديث ذي القرنين: أَنه خُيِّر في ركوبه بين ذلل السحاب وصِعابه فاختار ذُلُله. والذُّلُّ والذِّلُّ: الرِّفْقُ والرحمة. وفي التنزيل العزيز: واخْفِضْ لهما جَناحَ الذُّلِّ من الرحمة. وفي التنزيل العزيز في صفة المؤمنين: أَذِلَّة على المؤْمنين أَعِزَّة على الكافرين؛ قال ابن الأَعرابي فيما روى عنه أَبو العباس: معنى قوله أَذِلَّة على المؤمنين رُحَماء رُفَقاء على المؤمنين، أَعِزَّة على الكافرين غِلاظ شِداد على الكافرين؛ وقال الزجاج: معنى أَذِلَّة على المؤمنين أَي جانبهم لَيِّنٌ على المؤمنين ليس أَنهم أَذِلاَّء مُهانون، وقوله أَعِزَّة على الكافرين أَي جانبهم غليظ على الكافرين. وقوله عز وجل: وذُلِّلَت قُطوفُها تَذْليلاً، أَي سُوَّيت عناقيدها وذُلِّيَت، وقيل: هذا كقوله: قطوفها دانية، كلما أَرادوا أَن يَقْطِفُوا شيئاً منها ذلل ذلك لهم فدَنا منهم، قُعوداً كانوا أَو مضطجعين أَو قياماً، قال أَبو منصور: وتذليل العُذُوق في الدنيا أَنها إِذا انشقَّت عنها كَوَافيرها التي تُغَطِّيها يَعْمِد الآبِر إِليها فيُسَمِّحُها ويُيَسِّرها حتى يُذلِّلها خارجة من بين ظُهْران الجريد والسُّلاَّء، فيسهل قِطافها عند يَنْعها ..
((وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15)) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16).)) .. الكُوبُ: الكُوزُ الذي لا عُرْوَةَ له؛ قال عديّ بن زيد مُتَّكِئاً تَصْفِقُ أَبوابُه، * يَسْعَى عليه العَبْدُ بالكُوبِ والجمع أَكْوابٌ. وفي التنزيل العزيز: وأَكْوابٌ موْضوعة. وفيه: ويُطافُ عليهم بِصِحافٍ من ذهَبٍ وأَكْوابٍ. قال الفراء: الكُوبُ الكوزُ المستديرُ الرأْسِ الذي لا أُذُن له .. ((وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ)): والقارورة: واحدة القَوارير من الزُّجاج، والعرب تسمي المرأَة القارورة وتكني عنها بها. والقارُورُ: ما قَرَّ فيه الشرابُ وغيره، وقيل: لا يكون إِلا من الزجاج خاصة. وقوله تعالى: قَوارِيرَ قواريرَ من فضة؛ قال بعض أَهل العلم: معناه أَوانيَ زُجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير. قال ابن سيده: وهذا حسن، فأَما من أَلحق الأَلف في قوارير الأَخيرة فإِنه زاد الأَلف لتَعْدِلَ رؤوس الآي. والقارورة: حَدَقة العين، على التشبيه بالقارورة من الزجاج لصفائها وأَن المتأَمّل يرى شخصه فيها؛ قال رؤبة: قد قَدَحَتْ من سَلْبِهِنَّ سَلْبا قارورةُ العينِ، فصارتْ وَقْبا ابن الأَعرابي: القَوارِيرُ شجر يشبه الدُّلْبَ تُعمل منه الرِّحالُ والموائد. وفي الحديث: أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأَنْجَشةَ وهو يَحْدُو بالنساء: رِفْقاً بالقَوارير؛ أَراد، صلى الله عليه وسلم، بالقوارير النساء، شبههن بالقوارير لضعف عزائمهن وقلة دوامهن على العهد، والقواريرُ من الزُّجاج يُسْرِع إِليها الكسر ولا تقبل الجَبْرَ، وكان أَنْجَشَةُ يحدو بهن رِكابَهُنَّ ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن، فلم يُؤْمَنْ أَن يصيبهن ما يسمعن من رقيق الشعر فيهن أَو يَقَعَ في قلوبهن حُداؤه، فأَمر أَنجشَةَ بالكف عن نشيده وحُدائه حِذارَ صَبْوَتِهن إِلى غير الجميل .. ((قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا)): أي إن القوارير ليست ثقيلة على الشارب بحيث انها في متناوله .. لا يجد فيها حرجا .. كما إن هذه القوارير مختصة به .. تناسب حاجته .. ولا تزيد عنها .. وتلبي طلبه متى شاء .. وأنى شاء .. دون زيادة ولا نقصان .. كل بحسب حاجته وطلبه وإرادته ..
((وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17).)) .. المَزْجُ: خَلْطُ المِزاجِ بالشيء. ومَزْجُ الشرابِ: خَلْطُه بغيره. ومِزاجُ الشرابِ: ما يُمْزَجُ به. ومَزَجَ الشيءَ يَمْزُجُه مَزْجاً فامْتَزَجَ: خَلَطَه. وشرابٌ مَزْجٌ: مَمْزُوجٌ. وكلُّ نوعين امْتَزَجا، فكل واحد منهما لصاحبه مِزْجٌ ومِزاجٌ. ومِزاج ُالبدَنِ: ما أُسِّسَ عليه من مِرَّةٍ .. كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلا ًالزَّنْجَبِيل: مما ينبت في بلاد العرب بأَرض عُمَان، وهو عروق تسري في الأَرض، ونباته شبيه بنبات الرَّاسَن وليس منه شيء بَرِّيًّا، وليس بشجر، يؤكل رطْباً كما يؤكل البَقْلُ، ويستعمل يابساً، وأَجوده ما يؤتى به من الزِّنْج وبلاد الصِّين، وزعم قوم أَن الخَمْر يسمى زَنْجَبيلاً؛ قال:
وزَنْجَبِيل عاتِق مُطَيَّب وقيل: الزَّنْجَبِيل العود الحِرِّيف الذي يَحْذِي اللسان. وفي التنزيل العزيز في خَمْر الجَنَّة: كان مِزَاجُها زَنْجَبِيلاً. والعرب تصف الزَّنْجَبِيل بالطيب وهو مستطاب عندهم جِدًّا؛ قال الأَعشى يذكر طعم ريق جارية: كأَن القَرنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ باتا بِفيها، وأَرْياً مَشُورا .. قال: فجائز أَن يكون الزَّنْجَبيل في خَمْر الجَنَّة، وجائز أَن يكون مِزَاجَها ولا غائلة له، وجائز أَن يكون اسْماً للعَين التي يؤخذ منها هذا
الخَمْر، واسمه السَّلْسَبِيل أَيضاً ..