تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32).)) ..

بعد أن عدد الله سبحانه وتعالى نعمه على الإنس والجن من حيث العقل والدين والكون والحياة والمتع الحسية المختلفة .. وجعل قوام الحياة السعيدة القرآن الكريم والعدل والإعتدال في الدنيا والآخرة .. يوجه السؤال للإنس والجن فبأي نعمة من نعم الله الخلاق العليم تجحدون؟ .. بأي دليل مادي أو عقلي تتنكرون للحق المبين؟ .. وكل شيء يدل على وجود الخالق الواحد الذي لا شريك له؟ وأن القيامة حق .. والجنة حق والنار حق؟ .. لا مجال للإنكار والتهرب؟ .. فالأدلة دامغة والنعم شاملة ولا ينكر إلا من سفه نفسه واستخف بها وأوردها مورد الهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة ..

((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33).)) .. والمَعْشَر والنَّفَر والقَوْم والرَّهْط معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، للرجال دون النساء. قال: والعَشِيرة أَيضاً الرجال والعالَم أَيضاً للرجال دون النساء. وقال الليث: المَعْشَرُ كل جماعة أَمرُهم واحد نحو مَعْشر المسلمين ومَعْشَر المشركين. والمَعاشِرُ: جماعاتُ الناس. والمَعْشَرُ: الجن والإِنس. وفي التنزيل: يا مَعْشَرَ الجنَّ والإِنس .. ((إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا)): النَّفاذ: الجواز، وفي المحكم: جوازُ الشيء والخلوصُ منه. تقول: نَفَذْت أَي جُزْت، وقد نَفَذَ يَنْفُذُ نَفَاذاً ونُفُوذاً. ورجل نافِذٌ في أَمره، ونَفُوذٌ ونَفَّاذٌ: ماضٍ في جميع أَمره، وأَمره نافذ أَي مُطاع .. والنَّفَاذُ والحِدَّةُ والمَضَاءُ كله أَدنى إِلى التعدي والغلو من الجريان والسلوك، لأَن كل متعدّ متجاوز وسالك، فهو جار إِلى مدًى مّا وليس كل جار إِلى مدى متعدياً .. وأَنْفَذَ الأَمر: قضاه .. والنفذ، بالتحريك: المَخْرج والمَخْلص؛ ويقال لمنفذ الجراحة: نفَذٌ. وفي الحديث: أَيما رجل أَشادَ على مسلم بما هو بريءٌ منه، كان حقاً على الله أَن يعذبه أَو يأْتي بِنَفَذِ ما

قال أَي بالمَخْرَج منه. وفي حديث ابن مسعود: إِنكم مجموعون في صعيد واحد يَنْفُذُكم البصرُ؛ يقال منه: أَنفذت القوم إِذا خرقتهم ومشيت في وسطهم .. ((إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ ... )) .. والقُطْر، بالضم: الناحية والجانب، والجمع أَقْطار. وقومُك أَقْطارَ البلادِ: على الظرف وهي من الحروف التي عزلها سيبويه ليفسر معانيها ولأَنها غرائب. وفي التنزيل العزيز: من أَقطار السموات والأَرض؛ أَقطارُها: نواحيها، واحدها قُطْر، وكذلك أَقتارُها، واحدها قُتْرٌ. قال ابن مسعود: لا يعجبنك ما ترى من المرء حتى تنظر على أَيِّ قُطْرَيْه يقع أَي على أَي شِقَّيه يقع في خاتمة عمله، أَعلى شق الإِسلام أَو غيره .. ((فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33).)) .. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهان .. والسُّلطان إِنما سمي سُلْطاناً لأَنه حجةُ اللّهِ في أَرضه، قال: واشتاق السلطان من السَّليط، قال: والسليطُ ما يُضاء به، ومن هذا قيل للزيت: سليط، قال: وقوله جلّ وعزّ: فانْفُذوا إِلا بسلطان، أَي حيثما كنتم شاهَدْتم حُجَّةً للّه تعالى وسُلطاناً يدل على أَنه واحد .. قال العلماء: قال تعالى استطعتم ولم يقل إن استطعتما لأنهما فريقان في حال الجمع .. كمثل قوله تعالى: فإذا هم فريقان يختصمون" [النمل: 45] و"هذان خصمان اختصموا في ربهم" [الحج: 19] .. ونتبين مما سلف أن الله سبحانه وتعالى فتح باب العلم للإنس والجن حتى يسافروا ويستكشفوا الأبعاد البعيدة للكون والحياة مستعينين في ذلك بالعلم المعبر عنه في هذا المقام بالسلطان .. حفزا للهمم وتشجيعا على البحث والاكتشاف .. وكلما أوغل الإنسان في الكون بالسفر والترحال والاكتشاف اقتنع بالدليل المادي الملموس أنه مخلوق .. وأنه ضعيف .. وأنه محدود بالمكان والزمان والطاقة .. وأن الله أكبر من كل ذلك .. ولا يحده المكان والزمان والطاقة .. وكلما أوغل المرء في الكون والحياة تأكد ما لا يدع مجالا للشك في أنه مخلوق .. وأنه محاسب ومجزي .. وأنه ميت .. وأن الحساب لا مهرب منه إلا إليه .. وكلما ازداد إيغالا في الفضاء وفي السفر اقتنع بالبرهان وقوة الحجة الدامغة أن الكون الرحيب يدل على وجود الخالق المبدع لكل شيء من لاشيء .. وأن هذه الحياة امتحان وأنه مسئول عن عقله ووعيه وإيمانه وعن حياته .. وكلما مضى في التطويح يطلب سبقا تجلى له بالروعة والإعجاز أن الكون محدود .. وأن الهرب لا يجدي نفعا .. وأن الطريق في نهايتها مسدود .. وأن الله على الطرف الآخر في انتظاره بعظمته وجلاله ليسأله ماذا قدم وماذا أخر في النعم التي أنعمها عليه ظاهرة وباطنة .. والعلم يزيد المؤمن إيمانا وتوحيدا وعبادة لله الواحد القهار الذي خلق كل هذا الخلق ليعبدوه ويوحدوه .. ويقروا له بالعظمة والتفرد والوحدانية .. وكلما أوغل المرء في العلوم ازداد

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٤١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٤١٩