طلع وظهر فقد نجم. وقد خُصَّ بالنَّجْم منه ما لا يقوم على ساقٍ، كما خُصَّ القائمُ على الساق منه بالشجر. وفي حديث حُذَيفة: سِراجٌ من النارِ يَظْهَرُ في أَكتافِهم حتى يَنْجُم في صُدورِهم. والنَّجْمُ من النباتِ: كلُّ ما نبتَ على وجه الأَرض ونَجَمَ على غيرِ ساقٍ وتسطَّح فلم يَنْهَض، والشجرُ كلُّ ما له ساقٌ: ومعنى سُجودِهما دَوَرانُ الظلِّ معهما. قال أَبو إِسحق: قد قيل إِن النَّجْمَ يُراد به النجومُ، قال: وجائز أَن يكون النَّجْمُ ههنا ما نبت على وجه الأَرض وما طلع من نُجومِ السماء. ويقال لكل ما طلع: قد نَجمَ، والنَّجِيمُ منه الطَّرِيُّ حين نَجمَ فنبَت ..
((وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7).)) .. سبحان الخلاق العليم الذي رفع السماء بغير عمد .. والذي قدر فهدى .. والذي جعل لنا من الأدلة والبراهين ما لا يرقي إليه شك بالمرة في وجوده ورحمته سبحانه الكبير المتعالي القريب المجيب .. يلفت الإنسان الواعي المسئول فإذا كل ما في السماء ينطق بوحدانية الله ووحدة الكون والحياة واتساقها وتسبيحا لله الواحد القهار .. ((وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)) .. الميزان هنا هو العدل .. هو ما قدره الله من الحق .. الميزان هو هذا القرآن الكريم مائدته في الأَرض إلى قيام الساعة هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .. أكبر ميزان وأحسن ميزان وأعدل ميزان هو القرآن الكريم الذي منه مصدر التشريع للفرد والعائلة والمجتمع وللإنسانية قاطبة واستقرارا وأمنا وأمانا في النفس والفكر والجسد وتكاملا مع الكون والحياة والخالق والمخلوق وتواصلا بين الجميع في النور والمحبة والسعادة في الدنيا والآخرة التي لاشك فيها إطلاقا .. هل من ميزان أروع من هذا القرآن الذي رضينا به منهجا ودستورا؟ ..
((أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) .. )) .. أي أقيموا العدل بين الناس .. الميزان هنا هو إقامة حدود الله ودين الله .. وأحكام الله التي أنزلها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بين الناس بالحق .. بكل انضباط .. حتى لا يظلم أحد .. شبه العدل بين الناس بالميزان .. حتى رأى الناس العدل شهدوا بأنه كل شيء على ما يرام حكما وتطبيقا فلا إفراط ولا تفريط بل بكل عدل واعتدال .. لا إجحاف في الميزان ولا محاباة ولا رشوة .. ولا محسوبية ولا شخصانية .. الناس سواسية في ميزان الحق .. بالرجوع والاحتكام إلى ما فرضه الله عز وجل .. ((وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ... )) - المائدة ..
((وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9).)) .. القِسْطُ: المِيزانُ، سمي به من القِسْطِ العَدْلِ .. وأَخْسَرَ الرجلُ إِاذ وافق خُسْراً في تجارته. وقوله عز وجل: قل هل ننبئكم بالأَخْسَرِينَ أَعمالاً؛ قال الأَخفش: واحدهم الأَخْسَرُ مثل الأَكْبَرِ. وقوله تعالى: فما زادوهم غير تَخْسِيرٍ؛ ابن الأَعرابي: أَي غير
إِبعاد من الخير أَي غير تخسير لكم لا لي ..
والمعنى أقيموا حياتكم على العدل الذي بينه لكم في كتابه القرآن الكريم .. واعتبروا حياتكم تجارة لكم وزنوا فيها بالقسطاس المستقيم الذي على أساسه ستحاسبون يوم القيامة .. فكما تحب أن يوزن لك وأن يكال لك يوم البعث والجزاء تصرف أنت مع غيرك .. وحساب نفسك قبل أن تحاسب .. فميزان ا لله يوم القيامة هو العدل ومطلق العدل والحق ومطلق الحق .. وأنت في هذه الحياة في امتحان برهن فيه عن مدى محبتك لله بطاعته والعدل في كل شيء .. مع نفسك ومع زوجك وابنك وابنتك .. ومع أبيك وأمك .. وعائلتك ومجتمعك وفي نطاق مسئوليتك .. فإنك على أساس معاملتك وعملك ستجازى يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا ..
((وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10).)) .. وضَعَ البعيرُ وأَوْضَعه راكِبُه إِذا حَملَه على سُرْعةِ السيْرِ. قال الأَزهري: الإِيضاعُ أَن يُعْدِيَ بعيرَه ويَحْمِلَه على العَدْو ِالحَثِيثِ .. وضَعَ البعيرُ حَكَمَته إِذا طامَنَ رأْسَه وأَسرعَ، ووَضَعَ الشيءَ في المكانِ: أَثْبَتَه فيه ... ((وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)): الأنامُ: ما ظهر على الأرض من جميع الخَلْق، ويجوز في الشِّعْر الأَنِيمُ، وقال المفسرون في قوله عز وجل: والأرضَ وَضَعَها لِلأَنام؛ همُ
الجِنُّ والإنْس، قال: والدليلُ على ما قالوا أَنَّ الله تعالى قال بعَقِبِ ذِكْره الأنامَ إلى قوله: والرَّيْحان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبان، ولم يَجْرِ للجنِّ ذِكْر قبلَ ذلك إنما ذَكَر الجانَّ بعده فقال: خَلَق الإنْسانَ من صَلْصالٍ كالفَخَّار