حدثنا هدبة بن خالد أبو خالد: حدثنا همام: حدثنا قتادة: حدثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها) ..
وإذا كان أحسن مدخل للعلوم هو القرآن الكريم بما فيه من مفاجآت تترى بلا انتهاء كمنهج لحياة الفرد والعائلة والمجتمع وللإنسانية قاطبة .. فإن أحسن مدخل تفصيلي للعلوم هو الإنسان ذاته: ((خَلَقَ الْإِنسَانَ (3).)) .. وبالتالي دعا الإنسان لتأمل ذاته .. والحكم على نفسه قبل الحكم على غيره .. والتأكد بالدليل المادي الملموس على أنه مخلوق .. وعلى أنه ضعيف متهالك لولا رحمة الله .. وانه يحمل إعجازه في ذاته .. ودليله فيه .. وشاهده منه .. ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53).)) .. – فصلت .. ((وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21).)) - الذاريات .. تحدث جل وعلا عن الخلق. فما معنى الخلق؟ .. والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين .. خلق الله الشيء يَخلُقه خلقاً أَحدثه بعد أَن لم يكن، والخَلْقُ يكون المصدر ويكون المَخْلُوقَ؛ وقوله عز وجل: يخلُقكم في بطون أُمهاتكم خَلْقاً من بعد خلق في ظُلمات ثلاث؛ أَي يخلُقكم نُطَفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً ثم عِظاماً ثم يَكسُو العِظام لحماً ثم يُصوّر ويَنفُخ فيه الرُّوح، فذلك معنى خَلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث في البَطن والرَّحِم والمَشِيمةِ، وقد قيل في الأَصلاب والرحم والبطن .. يعني بالإِنسان آدم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وقوله عز وجل: وكان الإِنسانُ أَكْثَرَ شيء جَدَلاً؛ عنى بالإِنسان هنا الكافر، ويدل على ذلك قوله عز وجل: ويُجادِلُ الذين كفروا بالباطل لِيُدْحِضُوا به الحقَّ هذا قول الزجّاج، فإِن قيل: وهل يُجادل غير الإِنسان؟ قيل: قد جادل إِبليس وكل من يعقل من الملائكة، والجنُّ تُجادل، لكن الإِنسان أَكثر جدلاً، والجمع الناس ..
((عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4).)) .. والبَيانُ: الفصاحة واللَّسَن، وكلام بين فصيح .. والبَيان: الإفصاح
مع ذكاء. والبَيِّن من الرجال: الفصيح. ابن شميل: البَيِّن من الرجال السَّمْح اللسان الفصيح الظريف العالي الكلام القليل الرتَج. وفلانٌ أَبْيَن من فلان أَي أَفصح منه وأَوضح كلاماً. ورجل بَيِّنٌ: فصيح، والجمع أَبْيِناء، صحَّت الياء لسكون ما قبلها .. روى ابنُ عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنه قال: إنّ من البيان لسِحْرا ًوإنّ من الشِّعر لحِكَماً؛ قال: البَيان إظهار المقصود بأَبلغ لفظٍ، وهو من الفَهْم وذكاءِ القلْب مع اللَّسَن، وأَصلُه الكَشْفُ والظهورُ .. وقال الزجاج في قوله تعالى: خَلَق الإنْسان علَّمَه
البيانَ؛ قيل إنه عنى بالإنسان ههنا النبيّ َ، صلى الله عليه وسلم، علَّمَه البيان أَي علَّمه القرآنَ الذي فيه بيانُ كلِّ شيء، وقيل: الإنسانُ هنا آدمُ، عليه السلام، ويجوز في اللغة أَن يكون الإنسانُ اسماً لجنس الناس جميعاً، ويكون على هذا علَّمَه البيانَ جعَله مميَّزاً حتى انفصل الإنسانُ ببيَانِه وتمييزه من جميع الحيوان. ويقال: بَيْنَ الرجُلَين بَيْنٌ بَعيدٌ وبَوْنٌ بعيد ..
((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5).)) .. وفي التهذيب: حَسِبْتُ الشيءَ أَحْسَبُه حِساباً، وحَسَبْتُ الشيء َأَحْسُبُه حِسْباناً وحُسْباناً. والحُسْبانُ: الحِسابُ وفي الحديث: أَفْضَلُ العَمَلِ مَنْحُ الرِّغابِ، لا يَعْلَمُ حُسْبانَ أَجْرِهِ إِلا اللّهُ. الحُسْبانُ، بالضم: الحِسابُ. وفي التنزيل: الشمسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ، معناه بِحِسابٍ ومَنازِلَ لا يَعْدُوانِها. وقال الزَجاج: بحُسْبانٍ يدل على عَدَد الشهور والسنين وجميع الأَوقات. وقال الأَخفش في قوله تعالى: والشمسَ والقَمَر حُسْباناً: معناه بِحِسابٍ، فحذَف الباءَ. وقال أَبو العباس: حُسْباناً مصدر، كما تقول: حَسَبْتُه أَحْسُبُه حُسْباناً وحِسْباناً؛ وجعله الأَحفش جمع حِسابٍ؛ وقال أَبو الهيثم: الحُسْبانُ جمع حِسابٍ وكذلك أَحْسِبةٌ، مِثل شِهابٍ وأَشْهِبةٍ وشُهْبانٍ ..
((وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6).)) .. نَجَمَ الشيءُ يَنْجُم، بالضم، نُجوماً: طَلَعَ وظهر. ونَجَمَ النباتُ والنابُ والقَرْنُ والكوكبُ وغيرُ ذلك: طلَعَ. قال الله تعالى: والنَّجْمُ والشجرُ يَسْجُدانِ. وفي الحديث: هذا إِبَّانُ نُجومِه أَي وقتُ ظهورِِه، يعني النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم. يقال نجم النبت يَنْجُم إِذا طلع. وكلُّ ما