تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحد .. يوم القيامة .. ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) ... )) .. الزَّجْرُ: المَنْعُ والنهيُ والانْتِهارُ. زَجَرَه ُيَزْجُرُه زَجْراً وازْدَجَرَهُ فانْزَجَرَ وازْدَجَرَ. قال: يوضع الازْدِجارُ

مَوْضِعَ الانْزِجارِ فيكون لازماً، وازدجر كان في الأَصل ازتجر، وزَجَرَ السَّبُعَ والكلبَ وزَجَرَ به: نَهْنَهَهُ.

قال سيبويه: وقالوا هو مِنِّي مَزْجَرَ الكلب أَي بتلك المنزلة فحذف وأَوصل، وهو من الظروف المختصة التي أُجريت مجرى غير المختصة ..

لقد وصلت بهم الدناءة إلى معاملة نبي الله معاملة الكلاب .. فحق لهم أن يذلوا وأن يخزوا يوم القيامة الذي لا شك فيه أبدا .. ودعوة النبي أو الرسول مستجابة .. وهي سلاحه الأخير في التعامل مع من أنكر .. إلا محمدا رسول الله فلم يبعث لعانا .. ولكن نوحا لما أعياه الأمر لجأ إلى ربه وتلك نهاية المطاف .. ((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) .. )) .. فاستجاب له ربه لأنه أعذر من أنذر .. وفات أوان التوبة والأوبة .. وجاء قضاء الله وقدره ولا راد لقدره المقدور ..

((فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) ... )) .. دَسَرَه يَدْسُرُه دَسْراً طعنه ودفعه. والدَّسْرُ أَيضاً في البُضْعِ، يقال: دَسَرَها بأَيرِه. ودَسَرَت السفينةُ الماءَ بصدرها: عاندته، والدِّسارُ: خيط من ليف يشدّ به أَلواحها، وقيل: هو مسمارها، والجمع دُسُرٌ ..

إنه الطوفان الذي دمر حضارتهم وقضى عليهم القضاء المبرم .. وكانوا علامة ودليلا ماديا ملموسا على وجود الله الأحد الذي لا شريك له .. القوي المتين الفعال لما يريد .. المنتقم ذي الحول والطول .. وتطاولت القرون .. ويتناسى الناس من جديد حقيقة التوحيد وحقيقة الدين الذي يأتي دوما لإخراجهم من عبادة العباد والهوى والمادة إلى عبادة رب العباد الخلاق العليم الرزاق الفتاح الكريم .. وتمر الحقب .. ويأتي القرآن الكريم من لدن الله سبحانه وتعالى معجزة خالدة إلى يوم البعث .. يحمل دليله في ذاته معجزا واضحا لا لبس فيه ولا التباس .. كي يستقيم الناس في كل زمان ومكان على الطريقة التي أرادها الله دون لف أو دوران .. ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) ... )) ... الذِّكْرُ: الحِفْظُ للشيء تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشيء يجري على اللسان. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشيء على لسانك، وقد تقدم أَن الذِّكْرَ لغة في الذكر، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه ذِكْراً وذُكْراً؛ الأَخيرة عن سيبويه.

القرآن الكريم الذي اختصر المكان والزمان والحقيقة والدين وأعطانا البلسم الشافي للجراح والمشاكل والأحزان .. والحل الأمثل لكل المشاكل ذاتيا وعائليا واجتماعيا وإنسانيا .. وجاءنا بالخبر اليقين عن الأمم السابقة وعن التاريخ والحضارة وعن سبب سقوط الحضارات وهلاك الأمم .. فإذا بنا نكتشف أن سبب هلاك الأمم وسقوط الحضارة لم يكن لأي سبب سوى الكفر .. وعصيان الله ورسوله .. فالله خلق الخلق ليعبدوه .. وليس لشيء آخر .. ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) .. )) - (سورة الذاريات) .. إذا رفض الفرد أو المجتمع عبادة الله فإن العاقبة السيئة تكون دنيا وآخرة .. ((كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) ... )) .. ورِيحٌ وصَرْصَرٌ: شديدة البَرْدِ، وقيل: شديدة الصَّوْت. الزجاج في قوله تعالى: بِريحٍ صَرْصَرٍ؛ قال: الصِّرُّ والصِّرَّة شدة البرد، قال: وصَرْصَر ٌمتكرر فيها الراء، كما يقال: قَلْقَلْتُ الشيء وأَقْلَلْتُه إِذا رفعته من مكانه .. وقَعَر النخلَةَ فانْقَعَرَتْ هي: قَطَعَها من أَصلها فسقطت، والشجرة ُانْجَعَفَتْ من أَصلها وانْصَرَعَتْ هي. والمُنْقَعِرُ: المُنْقَلِعُ من أَصله. أَن رجلاً تَقَعَّر عن مال له، وفي رواية: انْقَعَر عن ماله أَي انْقَلَع من أَصله. يقال: قَعَرَه إِذا قَلَعَه، يعني أَنه مات عن مال له.

نفس الدرس يتكرر عبر الأيام والقرون .. والتاريخ يعيد نفسه بأناس آخرين وبأماكن مختلفة .. ولكن من يستفيد من التجربة والامتحان؟ .. من يضيف إلى خبرته ما يزدان به القرآن الكريم من عبر وعظات؟ .. من يتوب ويلتزم جادة الصواب قبل فوات الأوان بالموت الزؤام الذي لا مهرب منه إلا إليه؟ ..

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٤٠٦