إلى عبادة الله الواحد بلا شريك وتطبيق الدين .. فإن لم تجد الدعوة .. ما على الرسول أو الداعية والعلماء ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله بكل وسيلة ممكنة بكل عدل واعتدال .. ما عليهم والحالة تلك إلا البيان .. الشرح الواضح .. إعطاء الفكرة بلا لبس أو التباس .. أبان الشيء اتضح فهو مبين .. فإن لم يجد نتيجة أعرض .. ابتعد .. لقد قام بواجبه وأرضى ضميره وربه .. ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) ... )) .. الداعي هو إسرافيل الذي سينفخ في الصور لإحياء الموتى .. للبعث للجزاء .. للحساب .. ليوم صعب على كل كافر تنكر للحق المبين ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثني الحسن: حدثنا إسماعيل بن خليل: أخبرنا عبد الرحيم، عن زكرياء ابن أبي زائدة، عن عامر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان، أم بعد النفخة).
حدثنا عمر بن حفص: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(بين النفختين أربعون). قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، فيه يركب الخلق).
وجاء في كنز العمال بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر، صاحب الصور واضع على فيه منذ خلق ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه فينفخ. (عن البراء).
ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة. (عن أبي هريرة).
إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان.
(ك - عن أبي هريرة). كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة وأصغى السمع ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ، قالوا: يا رسول صلى الله عليه وسلم وسلم! كيف نصنع؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا. (عن ابن عباس) ..
وتأملوا تلك اللقطة وهم يخرجون من القبور .. أذلاء .. غابت عنهم السطوة والتجبر .. انكسر بصرهم .. يسيرون رغم أنوفهم إلى مصيرهم المحتوم ((خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ (7) ... )) خشع يخشع خُشوعاً واخْتَشَع وتَخَشَّعَ: رمى ببصره نحو الأَرض وغَضَّه وخفَضَ صوته. وفي حديث جابر: أَنه، صلى الله عليه وسلم، أَقبل علينا فقال: أَيُّكم يُحِب أَن يُعْرِضَ الله عنه؟ قال: فخَشَعْنا أَي خَشِينا وخضَعْنا؛ قال ابن الأَثير: والخُشوع في الصوت والبصَر كالخُضوع في البدَن.
الجَدَثُ: القَبْر. وفي حديث علي، كرّم الله وجهه: في جَدَثٍ يَنْقَطِعُ في ظُلْمته آثارُها أَي في قبر، والجمع أَجْداثٌ. وفي الحديث: نُبَوِّئهم أَجْداثَهم أَي نُنْزِلُهم قبورَهم ..
الصورة تزداد قتامة بالنسبة للكافرين الذي يرون رأي العين مصيرهم التعيس .. الموقف يزداد صعوبة بالنسبة إليهم وهم يحاطون بالحقيقة التي لا تمارى من كل جانب .. فلا مهرب .. ولا منجاة من أمر الله وقضائه الذي لا يرد: ((مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) ... )) .. هَطَعَ يَهْطَعُ هُطُوعاً وأَهْطَعَ: أَقْبَلَ على الشيء ببصره فلم يرفعه عنه. وفي التنزيل: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رؤوسهم؛ وقيل: المُهْطِعُ الذي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشوعٍ، والمُقْنِعُ الذي يَرْفَع رأْسَه ينظر في ذلٍّ. وهَطَعَ وأَهْطَعَ: أَقبل مُسْرِعاً خائفاً لا يكون إِلا مع خوف، وقيل: نظرَ بخُضُوعٍ .. وكفر الشيء كفرا سترة وغطاه .. كفر بنعم الله جحدها وتناساها .. الكفر ضد الإيمان .. كفر بالله نفى وجوده واحدا لا شريك له ..
إن الكفر هو الكفر مهما كان زمانه أو مكانه من بدء الخلق إلى يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا .. والكفر سواء بجحود النعمة أو بإنكار وجود الله أو نسبة الشريك له .. أو برفض تطبيق أوامر الله مآله