من العزة .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .. فلا عزة إلا لله العزيز الجبار .. وهكذا يتردى الإنسان في هذا المستنقع الآسن من العبادة الضائعة والإشراك والكفر المقيت ..
((وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20).)) ..
جاء في صحيح البخاري:
وقال عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب. قال عروة: قالت عائشة: نزلت في الأنصار، كانوا هم وغسان قبل أن يسلموا يهلون لمناة، مثله.
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة , ومناة صنم بين مكة والمدينة، قالوا يا نبي الله، كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، نحوه.
ومناة اسم صنم كانت قبيلة خزاعة تعبده .. زعموا ان اسمه من تقدير الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ..
((أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (21).)) .. أي إنكم أيها الجاهلون تزعمون أن الملائكة بنات الله؟ .. وان الأصنام بنات الله؟ .. بينما تنسبون لأنفسكم الذكور .. هل بعد هذا الإنحطاط درجة أخرى في الظلم والتجنى؟ ..
((تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22).)) .. أي غير عادلة .. ضازَ في المحكم أَي جار. وضازَه حقَّه يَضِيزُه ضَيْزاً: نقصه وبَخَسَه ومنعه. وضِزْتُ فلاناً أَضِيزُه ضَيْزاً: جُرْتُ عليه. وضازَ يَضِيزُ إِذا جار .. وفي التنزيل العزيز: تلك إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى؛ وقسمة ضِيزَى وضُوزَى أَي جائرة، والقراء جميعهم على ترك همز ضِيزَى ..
((إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى (23).)) ..
المحكم: الظَّنُّ شك ويقين إلاَّ أَنه ليس بيقينِ عِيانٍ، إنما هو يقينُ تَدَبُّرٍ، فأَما يقين العِيَانِ فلا يقال فيه إلاَّ علم، وهو يكون اسماً ومصدراً، وجمعُ الظَّنِّ الذي هو الاسم ظُنُون .. الْهُدَى: الهُدى ضدّ الضلال وهو الرَّشادُ .. قال ابن جني: قال اللحياني الهُدَى مذكر، قال: وقال الكسائي بعض بني أَسد يؤنثه، يقول: هذه هُدًى مستقيمة. قال أَبو إِسحق: قوله عز وجل: قل إِن هُدَى الله هو الهُدَى؛ أَي الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ ..
والمعنى أن الفرق واضح ولا لبس فيها ولا التباس بين اتبع الظن وما تهوى الأنفس من مزالق الشيطان ونزغاته وانحرافاته وبين طريق الحق دين الإسلام الحنيف .. وعلى الواعي أن يختار بين الكفر والإيمان .. بين الضياع والأمن والأمان والتوازن النفسي والفكري والجسدي وسعادة الدنيا والآخرة ..
((أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (24).)) ..
والمُنَى، بضم الميم: جمع المُنية، وهو ما يَتَمَنَّى الرجل. وفي الحديث: إِذا تَمَنَّى أَحدُكم فَلْيَسْتَكثِرْ فإِنَّما يسْأَل رَبَّه، وفي رواية: فلْيُكْثِرْ؛ قال ابن الأَثير: التَّمَنِّي تَشَهِّي حُصُولِ الأَمر المَرْغوب فيه وحديثُ النَّفْس بما يكون وما لا يكون، والمعنى إِذا سأَل اللهَ حَوائجَه وفَضْله فلْيُكْثِرْ فإِن فضل الله كثير وخزائنه واسعة. أَبو بكر: تَمَنَّيت الشيء أَي قَدَّرته وأَحْبَبْتُ أَن يصير إِليَّ مِن المَنى وهو القدر. الجوهري: تقول تَمَنَّيْت الشيء ومَنَّيت غيري تَمْنِيةً. وتَمَنَّى الشيءَ: أَراده، ومَنَّاه إِياه وبه، وهي المِنْيةُ والمُنْيةُ والأُمْنِيَّةُ. وتَمَنَّى الكتابَ: قرأَه وكَتَبَه .. والتَّمَنِّي: التِّلاوةُ. وتَمَنَّى إِذا تَلا القرآن .. قال أَبو منصور: والتِّلاوةُ سميت أُمْنيّة لأَنَّ تالي القرآنِ إِذا مَرَّ بآية رحمة تَمَنَّاها، وإِذا مرَّ بآية عذاب تَمَنَّى أَن يُوقَّاه ..
والمعنى أنه للإنسان شيئا من البنين أو الخير .. أو النبوة .. أو الرسالة .. أو الهدى .. إلا ما قدره الله بحسب عمل ابن آدم ونيته ..
((فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25).)) .. يرزق من يشاء ويحرم من يشاء .. فهو المالك والرازق والنافع والضار .. وليس بحسب أماني الناس وأحلامهم .. فهو سبحانه وتعالى كما يملك الدنيا يملك الآخرة .. وما على الإنسان إلا مخافة الله والعمل بطاعته ليفوز بمرضاته ..
((وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26).)) ..