شأفتهم وليطهر الأرض منهم وليريح الناس من شرورهم .. وبالتالي كان الالتفات إلى قوم نوح في سياق السورة التفات المنهج الموحد والواحد السالف البيان .. حتى نأخذ العبرة ونستفيد من الدرس الذي يتكرر في كل زمان ومكان بأشخاص مختلفين وزمان مختلف دون محاباة ولا تأخير حيث قال الله سبحانه وتعالى:
((وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46).)) ..
الفِسْق: العصيان والترك لأَمر الله عز وجل والخروج عن طريق الحق. فسق يفسق ويَفْسُقُ فِسْقاً وفُسوقاً وفَسُقَ؛ الضم عن اللحياني، أَي فَجَر، قال: رواه عنه الأَحمر، قال: ولم يعرف الكسائي الضم، وقيل: الفُسوق الخروج عن الدين، وكذلك الميل إلى المعصية كما فَسَقَ إبليسُ عن أَمر ربه. وفَسَق عن أمر ربه أَي جار ومال عن طاعته .. جعل الخروج عن دين الله قاعدة عامة لانطباق العذاب دون قيد أو شرط .. حتى يلتفت الناس إلى أنفسهم والى التاريخ والأمم .. وحتى يتأملوا ما حل بهم من آيات الكون الحياة بنظرة التأمل والتفكر والإعتبار .. نظرة الإيمان والتوحيد .. نظرة القناعة والاقتناع بوجود الله الخالق المصور .. وحتى يتأكدوا بالحجة والبرهان .. وبالعلم والعمل .. انهم لم يخلقوا صدفة مقيتة ساذجة .. بل خلقهم الله كي يعبدوه. وأن موعدهم لن يتخلف ..
((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) .. )) .. أثبتت البحوث العلمية أن الكون ما فتئ يتسع .. ويتسع .. فهل كان محمد علبيه الصلاة يتجول في الفضاء حتى يعلم هذه الحقيقة العلمية؟ .. إن هو إلا كلام الله العليم الحكيم .. ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53).)) - سورةى فصلت ..
((وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) .. )) .. الأَزهري: المِهادُ أَجمع من المَهْد كالأَرض جعلها الله مِهاداً للعباد، وأَصل المَهْد التَّوْثِيرُ؛ يقال: مَهَدْتُ لنَفْسي ومَهَّدت أَي جعلت لها مكاناً وَطيئاً سهلاً. ومَهَدَ لنفسه خيراً وامْتَهَدَه: هَيّأَه وتَوَطَّأَه؛ ومنه قوله تعالى: فلأَنفسهم يَمْهَدُون؛ أَي يُوَطِّئُون .. نعم: فعل ماض جامد لإنشاء المدح .. فكيف بعد هذا لا تؤمنون؟ .. كيف بعد هذه النعم تعصون الله؟ ..
((وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49).)) .. حقيقة علمية أخرى وهي ان كل شيء في الكون والحياة خلقه الله الخلاق العليم زوجين .. من ذكر وأنثى .. حتى الجراثيم .. ما نراه وما لا نراه مخلوق اثنين اثنين .. زوجين زوجين .. حتى الخلايا .. في الحيوان والطيور .. في الإنس والجن .. هل كان محمد عليه والسلام يملك مختبرات علمية لتقديم هذه الحقيقة الدامغة؟ .. وإنما هي حجج من بعد حجج وأدلة ن من بعد أدلة يقدمها الله لعباده كي يعبدوه .. وكي يوحدوه وكي يسمعوا ويطيعوا .. وماذا بعد؟ ..
((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50).)) .. أنذره: حذره المغبة .. أبان الشيء: اتضح فهو مبين .. الفرار .. الفرار .. ممن؟ .. والى من .. ؟ الفرار من الشرك .. من الكفر .. من العصيان إياك أن تعصي الله فيما أمر ونهى .. إياك أن تعصى الرسول صلى الله عليه وسلم .. فطاعة الرسول من طاعة الله .. ((مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) ... )) – سورة النساء .. الفرار .. الفرار من أعمال العصاة ومن الإسراف .. ومن أعمال فرعون .. ومن أعمال قوم لوط .. ومن أعمال كل قوم أنزل الله سخطه وعقابه عليهم .. فروا إلى الله بالطاعة والصلاة والزكاة والإستقامة والقدوة الحسنة في القول والفعل والنية والبذل والعطاء .. عادة يكون الفرار من .. ولكن الفرار هذه المرة هو إلى .. إلى الحق .. إلى النور .. إلى الخلاق العليم الذي لن يظلمك .. وسيعطيك رحمة ومغفرة وعطاء لا ينقطع من بركة ونماء وسعادة في الدارين متى كنت صادقا .. ومتى ابتغيت مرضاته في كل شيء .. ما هو الشيء الذي يبطل العمل؟ .. ما هو الشيء الذي يجب ان تحذر أن تقع فيه طوال حياتك وفي حلك وترحالك؟ .. وحدك ومع العائلة ومع المجتمع والكون والحياة؟ .. ما هو الشيء الذي إذا تجنبته ضمت الفوز؟ ..
((وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51).)) .. الإشراك بالله .. إياك ثم إياك أن تجعل لله شريكا .. لأن الله واحد لا شريك له .. والله لا يشارك في ذاته ولا في ملكه ولا في صفاته .. أعاد هنا الإنذار البين الواضح المتسق الذي لا لبس فيه ولا التباس إلفاتا للنظر .. وبيانا إلى قيام الساعة ((إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) ..