((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54).)) .. التوبيخ والتعجب في هذا المقام لأن كل قوم اتهموا رسولهم بالجنون والسحر .. نفس الكلام .. ونفس الموقف نتج عنه نفس العقاب مع اختلاف النوعية في الهلاك والإهلاك .. أي هل أوصى بعضهم بعضا بالكفر والجحود والعصيان .. ؟ ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) .. هذا التجاوز في الطغيان والكفر وإلغاء العقل في التفكر والتدبر والإعتبار .. هو الذي أوقع الناس في المهالك .. وهو ما يلفت الله سبحانه وتعالى نظرنا إليه كي لا نعيد نفس الخطإ فنتلقى نفس النتيجة والعياذ بالله .. بل أن نعمل العقل .. وأن نحسن التدبر والتفكير والاختيار الواعي المسئول .. الرسول عليه الصلاة والسلام وكذا كل داعية دوره التوضيح وحسن التوضيح .. حتى يكون البيان بكل اتساق ودون لبس أو التباس وبكل عدل واعتدال .. وتجنب كل أنواع المزايدة والتزيد والمغالاة .. العدل والإعتدال حتى في الدعوة .. حتى في بيان التوحيد .. وبعدها لا لوم على الرسول ومن ورائه كل داعية إلى قيام الساعة؟ .. ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ.)) .. الدور كل الدور هو في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة وخاصة القدوة .. ومتى لم تتوفر القدوة بذلا وعطاء وتطبيقا فلا معنى للدعوة ولا دور لها أصلا ..
((وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55).) .. والذِّكْرُ والذِّكْرى، بالكسر: نقيض النسيان .. وقال الفراء: الذِّكْرُ ما ذكرته بلسانك وأَظهرته. واسْتَذْكَرَ الشيءَ: دَرَسَةَ للذِّكْرِ. والاسْتِذْكارُ: الدِّرَاسَةُ للحفظ ..
ولكن لم الذكر والتذكر والذكرى؟ .. لشيء واحد رئيس .. ما دورك في الحياة؟ .. ولماذا أنت هنا؟ والى أين تسير؟ .. وما الآخرة؟ .. وما علاقتك بالله؟ .. وما علاقة بالخلق؟ .. عن جماع هذه الأسئلة تأتي الآيات بيانا وتوضيحا رفعا للبس والإلتباس حتى لا تبقى حجة لمحتج ..
((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58).)) .. وضح الهدف وتحددت الغاية .. لقد خلقك الله سبحانه وتعالى كي تعبده .. وليس لأي شيء آخر .. لا تهتم برزق .. اتخذ الأسباب فقط .. واعمل .. إن الله هو الرزاق الفتاح العليم .. ولكن ما العبادة أصلا؟ .. وأَصل العُبودِيَّة الخُضوع والتذلُّل .. وعبده عبادة خضع وذل وطاع له .. ولا يقال عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادة إِلا لمن يَعْبُد الله، ومن عبد دونه إِلهاً فهو من الخاسرين. قال: وأَما عَبْدٌ خَدَمَ مولاه فلا يقال عَبَدَه. قال الليث: ويقال للمشركين هم عَبَدَةُ الطاغوت، ويقال للمسلمين عِبادُ الله يعبدون الله. والعابد: المُوَحِّدُ .. قال اللحياني: عَبَدْتُ الله عِبادَة ومَعْبَداً. وقال الزجاج في قوله تعالى: وما خلقتُ الجنّ والإِنس إِلا ليعبدون، المعنى ما خلقتهم إِلا لأَدعوهم إِلى عبادتي وأَنا مريد للعبادة منهم، وقد علم الله قبل أن يخلقهم من يعبده ممن يكفر به، ولو كان خلقهم ليجبرهم على العبادة لكانوا كلهم عُبَّاداً مؤمنين؛ قال الأَزهري: وهذا قول أَهل السنَّة والجماعة. والَعبْدَلُ: العبدُ، ولامه زائدة.
الرازقُ والرّزَّاقُ: في صفة الله تعالى لأَنه يَرزُُق الخلق أَجمعين، وهو الذي خلق الأَرْزاق وأَعطى الخلائق أَرزاقها وأَوصَلها إليهم، وفَعّال من أَبنية المُبالغة. والرِّزْقُ: معروف. والأَرزاقُ نوعانِ: ظاهرة
للأَبدان كالأَقْوات، وباطنة للقلوب والنُّفوس كالمَعارِف والعلوم؛ قال الله تعالى: وما من دابّة في الأَرض إِلا على الله رزقها. وأَرزاقُ بني آدم مكتوبة مُقدَّرة لهم، وهي واصلة إِليهم. قال الله تعالى: ما أُرِيد منهم من رزق وما أُريد أَن يُطعمون؛ يقول: بل أَنا رازقهم ما خلقتهم إِلا ليَعبدون. وقال تعالى: إِن الله هو الرزَّاق ذو القُوَّةِ المَتِينُ ..
وقوله عز وجل: إِن الله هو الرَّزَّاقُ ذو القُوَّة المَتِين: معناه ذو الاقتدار والشِّدَّة، القراءة بالرفع، والمَتِينُ صفة لقوله ذو القُوَّة، وهو الله تبارك وتقَدَّس، ومعنى ذو القُوَّة المَتِينُ ذو الاقتدار الشديد، والمَتِينُ في صفة الله القَوِيُّ؛ قال ابن الأَثير: هو القوي الشديد الذي لا يلحقه في أَفعاله مشقةٌ ولا كُلْفة ولا تعَبٌ، والمَتانةُ: الشِّدَّة والقُوَّة، فهو من حيث أَنه بالغ القدرة تامُّها قَوِيّ، ومن حيث أَنه شديد القُوَّة متِينٌ؛ قال ابن سيده: وقرئ المَتينِ بالخفض على النعت للقُوَّة، لأَن تأْنيث القُوَّة كتأْنيث الموعظة من قوله تعالى: فمن جاءه مَوْعِظَة؛ أَي وَعْظٌ. والقوّة: اقْتدارٌ. والمَتِينُ من كل شيء: القَوِيُّ.
((فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِي (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)./.)).