تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (37).)) .. الآية هي العلامة والدليل على وجود الله الواحد القهار الذي لا شريك له .. ترك فيها آثارهم وديارهم .. وما بقي من ذكراهم عبرة لمن يعتبر .. وحتى يدرك كل عاص وكل عات متمرد أن عذاب الله لن يتخلف .. وأن القاعدة لا تغيب أبدا ولا تحابي ولا تجامل .. إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا ..

وعلى هذا القياس كانت قصة موسى ورسالته .. وفرعون وجنده .. نفس القصة تتكرر مع الإيمان والكفر .. والطاعة والعصيان .. والتوحيد والجحود ..

((وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38).)) .. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهان .. أبان الشيء اتضح فهو مبين .. كانت رسالة موسى لفرعون واضحة ومؤيدة بالمعجزات منها عصا موسى ويده التي تخرج بيضاء تشع نورا وكان موسى أسمر البشرة .. ولكن هل آمن فرعون .. أم إنه انكفأ على نفسه عنادا وكفرا وإصرارا على الخطأ .. ؟

((فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) ... )) .. أعرض وابتعد ونأى بجانبه .. رَكِنَ يَرْكَنُ رُكوناً إذا مال إلى الشيء واطمأَنَّ إليه، ولغة أُخرى رَكَنَ يَرْكُنُ، والرُّكْنُ: الناحية القوية وما تقوّى به من مَلِكٍ وجُنْدٍ وغيره، وبذلك فسر قوله عز وجل: فتَوَلَّى برُكْنِه، ودليل ذلك قوله تعالى: فأَخذناه وجنودَه؛ أَي أَخذناه ورُكْنَه الذي تولى به، والجمع أَرْكان وأَرْكُنٌ .. اتهم فرعون موسى بالسحر .. والجنون .. استبعادا للحقيقة التي لا تمار ى .. وبالتالي استخف هو ومن سانده عقاب الله .. ونفس القاعدة تطبق عليه وعلى أضرابه في كل زمان ومكان .. الهزيمة المنكرة لمن حارب الإيمان وأهله ..

((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) .. )) .. النَّبْذُ: طرحك الشيء من يدك أَمامك أَو وراءك. نَبَذْت ُالشيء أَنْبِذُه نَبْذاً إِذا أَلقيته من يدك، ونَبَّذته، شدد للكثرة. ونبذت الشيء أَيضاً إِذا رميته وأَبعدته؛ ومنه الحديث: فنبذ خاتمه، فنبذ الناس خواتيمهم أَي أَلقاها من يده. وكلُّ طرحٍ: نَبْذٌ .. فِي الْيَمِّ: الليث: اليَمُّ البحرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُه ولا شَطَّاه، ويقال: اليَمُّ لُجَّتُه. وقال الزجاج: اليَمُّ البحرُ، وكذلك هو في الكتاب، الأَول لا يُثَنَّى ولا يُكَسَّر ولا يُجْمَع جمعَ السلامة .. وَهُوَ مُلِيمٌ: اللَّومُ واللّوْماءُ واللَّوْمَى واللائمة: العَدْلُ. لامَه على كذا يَلومُه لَوْماً ومَلاماً وملامةً ولوْمةً، فهو مَلُوم ومَلِيمٌ: استحقَّ اللَّوْمَ ..

((وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) .. )) .. نفس الدرس يتكرر عبر الأيام والسنين والأحقاب .. حتى يستفيد الناس وحتى يعجلوا مسارهم بالتوبة إلى الله .. واتباع الإسلام الحنيف دين التوحيد الخالص حتى يضمنوا لأنفسهم سعادة الدنيا والآخرة .. إن ما أصاب الأمم السابق من عذاب هو نتيجة كفرهم ورفضهم السمع والطاعة لله وللرسول أو النبي .. و العصيان ينتج حتما العقاب في الدنيا والآخرة .. ((وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) .. )) .. قال أبو إسحق: الريحُ العقيمُ التي لا يكون معها لَقَحٌ أي لا تأْتي بمطر إنما هي ريحُ الإهلاك، وقيل: هي لا تُلقِحُ الشجر ولا تُنشِئُ سَحاباً ولا

تَحْمِل مَطراً ..

((مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) .. )) .. والرَّمِيمُ: ما بقي من نبت عام أَول؛ عن اللحياني، وهو من ذلك. ابن الأَعرابي: يقال رَمَّتْ عظامه وأَرَمَّتْ إذا بَلِيَتْ والرِّمَّةُ: العظم البالي ..

((وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) .. )) .. والحِينُ: الوقتُ، والحِينُ: المُدَّة؛ قال الأَزهري: الحِينَ اسم كالوقت يصلح لجميع الأَزمان .. والمقصود في هذا المقام ثلاثة أيام ..

((فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (45) .. )) .. وقال الأزهري في ترجمة َعتا: والعُتَا العِصْيانُ. والعاتي: الجَبَّار، وجمعه عُتاةٌ. والعاتي: الشديد الدُّخُولِ في الفَساد المُتَمَرِّدُ الذي لا يقبلُ موعِظَة. الفراء: الأَعْتاءُ عِتِيّا ًالدُّعَّارُ من الرجالِ، الواحدُ عَاتٍ .. فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ: أي صيحة العذاب .. وكل صاعقة في القرآن هي بمعنى الصيحة والعذاب الذي يحيق بالكافرين ويؤدي بهم إلى الموت نتيجة كفرهم وجحودهم ..

وبالتالي نتأكد بالحجة والدليل المادي الملموس أن هناك قاعدة كونية وربانية وضعها الله سبحانه وتعالى لا تتخلف من آدم عليه السلام إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. وهذه القاعدة محورها أن لعذاب لا يتخلف إطلاقا عن الكافرين .. وأنه يحيط بهم في الساعة التي يختارها الله عز وجل ليستأصل

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٨٢