تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) .. )) .. أَوْجَسَ القلبُ فَزَعاً: أَحَسَّ به. وفي التنزيل العزيز: فأَوْجَسَ منهم خيفة؛ قال أَبو إِسحق: معناه فأَضْمَر منهم خَوْفاً، وكذلك التوَجُّس، وقال في موضع آخر: معنى أَوْجَسَ وقع في نفسه الخوفُ. الليث: الوَجْس فَزْعة القلب. والوَجْس: الفَزَع يقع في القلب أَو في السمع من صوت أَو غير ذلك .. طمأنوه .. وبشروه .. هدءوا من روعه .. وزفوا إليه البشرى .. كان إبراهيم في العشرين بعد المائة من عمره .. وكانت زوجته في التاسعة والتسعين .. لذلك وقع الخبر بصفة مفاجئة على أهل البيت .. غلام؟؟ .. وفي هذا العمر المتأخر.؟ .. قال غلاما .. مباشرة لا مولودا ولا رضيعا .. بل غلاما .. وكأن الأمر حصل وانتهى الموضوع .. ليس هذا فقط .. بل ان هذا الغلام سيكون من أهل العلم .. والحلم .. من زوجته سارة رضي الله عنها ..

((فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29).) .. قال المفسرون: في ضَجَّة وصَيْحَة؛ قال الزجاج: الصَّرَّة أَشدُّ الصياح تكون في الطائر والإِنسان وغيرهما قيل لامرأَة: أَيُّ النساء أَبغض إِليك؟ فقالت: التي إِنْ صَخِبَتْ صَرْصَرَتْ والصَّرِّةُ: الضَّجَّة والصَّيْحَةُ. والصَّرُّ: الصِّياح والجَلَبة .. عَجُوزٌ عَقِيمٌ: العَقْمُ والعُقْمُ، بالفتح والضم: هَزْمةٌ تقعُ في الرَّحِم فلا تَقْبَلُ الولدَ .. وحكى ابن الأعرابي: امرأَةٌ عقيمٌ، بغير هاءٍ، لا تَلِدُ من نِسْوةٍ عَقائم .. وكان لا بد أن يطمئن أهل البيت في هذا المقام .. وأن يخفف الملائكة عنهم حجم المفاجأة وقوتها:

((قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30).)) .. الله سبحانه وتعالى أَحْكَمُ الحاكمِينَ، وهو الحَكِيم ُله الحُكْمُ، سبحانه وتعالى. قال الليث: الحَكَمُ الله تعالى. والحَكِيمُ وهما بمعنى الحاكِم، وهو القاضي، فَهو فعِيلٌ بمعنى فاعَلٍ، أو هوالذي يُحْكِمُ الأَشياءَ ويتقنها، فهو فَعِيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ، وقيل: الحَكِيمُ ذو الحِكمة، والحَكْمَةُ عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لمَنْ يُحْسِنُ دقائق الصِّناعات ويُتقنها: حَكِيمٌ .. الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ: من صفات الله عز وجل العَلِيم والعالِمُ والعَلاَّمُ؛ قال الله عز وجل: وهو الخَلاَّقُ العَلِيمُ، وقال: عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادةِ، وقال: عَلاَّم الغُيوب، فهو اللهُ العالمُ بما كان وما يكونُ قَبْلَ كَوْنِه، وبِمَا يكونُ ولَمَّا يكُنْ بعْدُ قَبْل أن يكون، لم يَزَل عالِماً ولا يَزالُ عالماً بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، أحاطَ عِلْمُه بجميع الأشياء باطِنِها وظاهرِها دقيقِها وجليلِها على أتمّ الإمْكان. وعَليمٌ، فَعِيلٌ: من أبنية المبالغة. ويجوز أن يقال للإنسان الذي عَلَّمه اللهُ عِلْماً من العُلوم عَلِيم .. وبالتالي كانت البشارة بإسماعيل لإبراهيم وزوجه .. ولكن إبراهيم تأكد بفطنته أن مجيء الملائكة لم يكن للبشرة بالولد والذرية والعلم والنبوة واستمرارها في نسل ابراهيم .. بل لا بد أن يكون في الأمر سرا آخر وراء مجيئهم من هنا توجه إليه بالسؤال:

((قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31).)) .. الخَطْبُ: الشَّأْنُ أَو الأَمْرُ، صَغُر أَو عَظُم؛ وقيل: هو

سَبَبُ الأَمْر. يقال: ما خَطْبُك؟ أَي ما أَمرُكَ؟ وتقول: هذا خَطْبٌ جليلٌ، وخَطْبٌ يَسير. والخَطْبُ: الأمر الذي تَقَع فيه المخاطَبة، والشأْنُ والحالُ؛ ومنه قولهم: جَلَّ الخَطْبُ أَي عَظُم الأَمرُ والشأْن ..

((قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) .. )) .. هم قوم لوط الذين يفعلون الفاحشة .. ويمارسون اللواط .. وعصوا نبيهم .. وطغوا في اَلأرض .. جعل الإجرام صفة غالبة لهم .. وكأنها صنو الكفر بل هي الكفر أصلا .. وفعل قرين الإنحراف عن نهج الله القويم ..

((لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) .. )) .. هي حجارة مطبوخة بالنار .. ((مُسَوَّمَة)) .. كل حجارة تحل اسم صاحبها ومن ستصيبه بالعذاب .. فالمسألة مرقمة ومبينة وليست عبثا ولا صدفة .. بل معلومة ومضبوطة .. لِلْمُسْرِفِينَ: السَّرَف والإسْرافُ: مُجاوزةُ القَصْدِ. وأَسرفَ في ماله: عَجِلَ من غير قصد، وأَما السَّرَفُ الذي نَهَى اللّه عنه، فهو ما أُنْفِقَ في غير طاعة اللّه، قليلاً كان أَو كثيراً. والإسْرافُ في النفقة: التبذيرُ. وقال سفيان: الإسْراف كل ما أُنفق في غير طاعة اللّه، وقال إياسُ بن معاوية: الإسرافُ ما قُصِّر به عن حقّ اللّه. والسَّرَفُ: ضدّ القصد ..

((فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (36).)) .. لم يكن فيها إلا بيت لوط وابنتيه فقط .. وأكد هنا على الإسلام ((غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ)) .. للتدليل على أن الدين واحد من آدم إلى قيام الساعة وهو الإسلام الحنيف دين العدل والإعتدال ..

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٨١